يوسف المرعشلي
1340
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وبحرا ذخارا ، طلق اللسان ، حسن التقرير في المعقولات ، خزانة للمنقولات ، سليم الذوق في الفهم ، محقّقا مدقّقا ، يستوعب أطراف الموضوع ، ويغوص فيه بحثا ، ثم يتمخّض بحثه عن الحقائق الراهنة والصواب . وكانت حلقة دروسه تمتلئ بالعلماء والطلاب شيوخا وشبانا من حلبيين وغيرهم . وفي الشطر الثاني من حياته كان غالب تدريسه في علم الفقه ، وكان سريع الكشف عن المسائل ، حدثني أحد ملازمي درسه قال : حضرت دروسه اثنين وثلاثين سنة ، فما رأيته مرة أراد المراجعة عن مسألة فنظر في الفهرست مهما كان بعيد عهد بها ، بل كان يقلب قلبات يسيرة فيظفر بها ، ونظره في أثناء قلب الأوراق متجه إلى محل المسألة من الصحيفة ، وهذا ينبئك بقوة حافظته وذاكرته . وكان درسه تعلوه الجلالة والمهابة كأن الطير على رؤوس حاضريه ، وله مع ذلك أحيانا ملح وطرف تنشيطا للأفكار ، في حين أنه قلّ أن تعتري السآمة والملل لأحد من حضار دروسه ، وذلك لما يرونه من حسن تقريره وحلاوة منطقه ، فكانت حالته داعية للانتباه وتوجّه النظر ، لما يتدفق من درر كلماته وفائض علمه . * الكتب التي قرأها في مدارس عديدة ظل رحمه اللّه في التدريس نحو ستين سنة ، وقرأ إلى حين شيخوخته كثيرا من الكتب في فنون مختلفة ، فمن مشاهير الكتب التي قام بتدريسها « شرح ألفية ابن مالك » في النحو للأشموني مع « حاشية الصبان » ، و « شرح ابن عقيل عليها مع حاشية الخضري » عليه ، و « مغني اللبيب » لابن هشام في النحو ، وقطعة من « صحيح مسلم » ، وقطعة من « جمع الجوامع » في أصول الفقه . درّس هذه الكتب في المدرسة السعيدية الواقعة في داخل جامع الصروي ، و « شرح القسطلاني على صحيح البخاري » ، و « حاشية العلامة ابن عابدين على الدر المختار » أكمل قراءتها ثلاث مرات كل مرة في نحو عشر سنوات ، وحضرت عليه من أواخرها إلى الآخر في قراءته لها للمرة الثالثة وذلك سنة ألف وثلاثمائة واثنين وعشرين ، ثم قرأ بعدها « الأشباه والنظائر » لابن نجيم مع استيعاب « حاشية الحموي » عليه في التقرير ، حضرته عليه من الأول إلى الآخر . ثم قرأ بعده « شرح الزيلعي على الكنز » ابتدأ فيه في شوال من سنة ألف وثلاثمائة وخمس وعشرين ، حضرت عليه الجزء الأول ونصف الجزء الثاني ، وكان إلى هنا خاتمة حضوري وقراءتي عليه . وقد وصل في هذا الكتاب إلى كتاب الصلح . ودرّس « الجامع الصغير » في الحديث في المدرسة الأحمدية لكنه لم يكمله ، وقد حضرت عليه معظم ما قرأه ، وقرأ غير ذلك في المدرسة العثمانية وفي جامع الحاج موسى . وبعد أن وصل في « شرح الزيلعي » إلى كتاب الصلح أعاد قراءة « حاشية ابن عابدين » للمرة الرابعة ، ولشيخوخته كان يقرأها في بيته ، وحين وصل فيها إلى آخر كتاب الإقرار قرّ في رمسه وأفل نير شمسه . * تلاميذه الذين تخرجوا عليه : في هذه المدة تخرّج عليه كثير ، طبقة بعد طبقة فضلوا في حياته ، ومنهم من توفي قبله لعلو سنه ، وليس في الوسع أن نحصي الجميع . فمن الطبقة الأولى الشيخ محمد الكلاوي ، والشيخ بشير الغزي ، والشيخ بكري العنداني ، والشيخ أسعد البانقوسي الفرضي ، والشيخ أبو المواهب الباشا الريحاوي ، والشيخ أحمد مظهر أفندي شيخ ديب ، والشيخ كامل الغزي ، والشيخ محمد بركات ، والشيخ عبد الرحمن الحجار ، والشيخ مصطفى الهلالي ، والشيخ راجي مكناس ، والشيخ محمود الريحاوي ، والشيخ عبد القادر لبنيه وغيرهم . ومن الطبقة الثانية ولده الشيخ أحمد ، والشيخ نجيب سراج ، والشيخ محمود العلبي ، والشيخ صالح الحصري ، والشيخ مصطفى باقو ، والشيخ عبد الرزاق الرفاعي واقف المكتبة في المدرسة الشعبانية ، والشيخ عبد الكريم الترمانيني ، وأخوه الشيخ إبراهيم ، والشيخ محمد الحنيفي ، وهذا العاجز ، وغيرهم .