يوسف المرعشلي

1334

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

مناسك الحج ، ولقي بمكة رجال علم ودين من الهنود كرحمة اللّه ، وحبيب الرحمن الموسوي ، والشيخين عبد الجليل برّادة ، ومحمود التركزي الشنقيطي ، وكان دخوله عن طريق البر إلى سوريا مع قافلة الحجاج المصريين والسوريين ، وحجز بالمحجر الصحي في وادي الزرقاء . وفي ليلة الخميس 9 صفر والجمعة 10 منه سنة 1300 / 21 - 22 ( ديسمبر ) - كانون الأول 1882 علم بعدد من جريدة ثمرات الفنون التي وصلت إلى حاج مصري وفاة الصادق باي في ليلة 27 - 28 ( نوفمبر ) تشرين الثاني 1882 ، وارتقاء أخيه علي باي العرش ، فقرر المبادرة بالرجوع إلى تونس بعد إقامة بدمشق سمحت له بعقد اتصالات مختلفة ، واقتبله الأمير عبد القادر الجزائري ، ثم سافر إلى بيروت حيث تردّد على رجال الأدب والصحفيين من أشهرهم بطرس البستاني ، وعدل عن فكرة زيارة القدس بسبب قلة الأمن لوجود قطاع الطريق ، وركب البحر 14 ربيع الأول 1300 / 20 ( جانفي ) كانون الثاني 1883 ، وبعد وقفات قصيرة في بورسعيد ومالطة وصل إلى تونس يوم الاثنين 26 ربيع الأول 1300 / 5 ( فيفري ) شباط 1883 . وبرجوعه إلى العاصمة التونسية باشر وظيفته القديمة كاتبا بجمعية الأوقاف ، وامتزج من جديد بالأوساط الفكرية والبورجوازية التي ما زالت مضطربة من الأحداث التي كانت بلادهم مسرحا لها وانتصاب الحماية الفرنسية . واهتمامات هاته الأوساط جعلتها حساسة للفصول ذات الاتجاه نحو الجامعة الإسلامية ، والمترجم يقرأ باهتمام كبير ما تنشره مجلة « العروة الوثقى » التي يصدرها بباريس جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، وبعد صدور الأعداد الأولى من هذه المجلة ، وجّه رسالة تقدير وإعجاب إلى الشيخ محمد عبده . وكان معجبا بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، ويبدو أنه كان من المؤسسين بتونس للجمعية السرية الحاملة لاسم العروة الوثقى ، وفي بداية سنة 1302 / أواخر 1884 انكفّ الشيخ عبده عن النشاط بسبب وباء الكوليرا الذي اجتاح باريس ، والذي أجبره على إيقاف صدور العروة الوثقى ، فتوجّه عن طريق البحر إلى تونس التي وصلها في 19 صفر 1302 / 6 ( ديسمبر ) كانون الأول 1884 ، واقتبله الباي وولي عهده ، والأميران حسين والناصر ، ومدرسو جامع الزيتونة وأكثر الأعيان ، ويبدو أن المترجم ساهم في حرارة هذا الاقتبال وهو نفسه استدعى عبده إلى منزله في ليلة 25 إلى 26 صفر ( 12 إلى 13 ( ديسمبر ) كانون الأول ) وحضر بعض الاجتماعات الأخرى المنعقدة حول الزائر الشهير ، وبعد أن حضر الاحتفال بعيد المولد النبوي ، بارح الشيخ عبده تونس يوم الأحد 17 ربيع الأول 1302 / 4 ( جانفي ) - كانون الثاني 1885 . والمناقشات الجدية المحدودة في دوائر محصورة التي تسببت فيها زيارة عبده لم تبطىء بظهور أثرها في بادرة عمل كان أول مظهر لمقاومة الاحتلال من سكان العاصمة ، فمنذ 16 جمادى الأولى 1302 / 3 ( مارس ) آذار 1885 انطلقت حركة احتجاج ضد الإجراءات التي اتخذتها السلطة الفرنسية ، وهذه الإجراءات البلدية كالقوانين الجديدة تمس حياة السكان التونسيين بالعاصمة ، وانعقدت اجتماعات بجامع الزيتونة وغيره ، وتكونت مواكب في المرسى أمام قصر الباي ، واقتبل الوفود الموكلة من السكان ، ودارت محادثات مع الوزير الأول ، كل هذا جرى خلال شهر ( أفريل ) نيسان وقسم من شهر ( ماي ) أيار ، وهذا الهيجان أجاب عنه المقيم العام بول كامبون بإصدار بعض الأوامر ، وبضغط قوي على الباي ، وبمسارعة إنذار الإدارة المباشرة ، وردع لحق عددا من الأعيان ، وألقي القبض على المترجم بقرار في شعبان 1302 ( ماي ) أيار 1885 وعزل من كتابة جمعية الأوقاف ، ونفي إلى قابس لأنه كان من زعماء الحركة ولسانها المدافع ، ووقع تفتيش منزله وحجز أوراقه ، ويبدو أنه لم يتحمل الصدمة ، فطلب العفو ، فعفي عنه بعد ثلاثة أشهر من نفيه في النصف الأول من ذي القعدة 1302 / ( أوت ) آب 1885 ، وقادة الحركة الآخرون قاموا بمساع وحرروا رسائل الاعتذار التي طلبت منهم ، وطرحت العقوبات المتخذة ضدهم ، كل هذا هيأ المترجم للتعاون مع سلطة الحماية ، وسبق ذلك إعداده نفسانيّا في قابس من قبل يوسف اليّقرو والضباط