يوسف المرعشلي
1333
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
معلما للشاب الأمير محمد الناصر بن محمد باي ، فاختار أسلوبا حاول أن يوفّق به بين القديم والحديث ، فأمره بحفظ المتون المتعارفة ، وأقرأه المؤلفات التاريخية والأدبية ، ودرّبه على التحرير في المواضيع العامة أو السياسية . وكون علاقات مع البيارمة الأسرة القوية الأرستقراطية العلمية التي لها صلة قرابة مع والدة تلميذه الناصر باي ، وارتبط بالخصوص بصداقة دائمة مع الشيخ محمد بيرم الخامس ، واشترك معه في بعض المسؤوليات الهامة التي قام بها في حكومة خير الدين ، وبفضل حماية هذا الصديق ، وبتقدير من الجنرال حسين جمع المترجم منذ سنة 1870 م الكتابة بجمعية الأوقاف ، والتحرير بجريدة الرائد التونسي ، والعمل بالمطبعة الرسمية ، وكان أهم معين لمديرها محمد بيرم الخامس ، وحرّر غالب افتتاحيات الرائد وعددا من فصوله ، وهو أول تونسي جذبته الصحافة كصناعة ، وعمل عدة سنوات إلى جانب منصور كيرلتيّ الذي كان منشئا ومترجما في الصحيفة التونسية ، وكان المترجم من جملة ما يكتب بها الفصل الأدبي ، يرأس اختيار ما في الصحف ، وبفضل تكوينه الأدبي المتين وذوقه الصحفي جعل من جريدة الرائد دورية ثرية متنوعة في مستوى المنشورات الشرقية ، على أن فصوله ذات طابع تعليمي ، وكان له من الصحافة الأسلوب الواضح المركز ، ومعنى الرد السريع ، والجواب الحاضر ، والانتباه لمسائل العصر . وأساس أفكاره هي أفكار الحزب الإصلاحي ، والصفة الرسمية « للرائد » حملته على أن يكون حذرا جدّا ، وكان مثل إصلاحيين آخرين خاب ظنه في حكومة خير الدين ذات الطابع الاستبدادي المطلق التي تخلت عن كل إصلاح دستوري . ولم يتخلّ عن وظائفه لاستقالة خير الدين ، واستمر على مباشرتها في وزارة محمد خزنة دار وخلفه مصطفى بن إسماعيل . حرّر بعض الفصول الشديدة المدح لهذا الأخير على أنه كان بعيدا عن تأييد السياسة الملتوية . وفي بداية الحماية جرّد المترجم من إدارة الرائد التي أسندت للحاج حسن لازغلي الجزائري الأصل مجازاة له من السلطة الفرنسية للخدمات التي أداها للفرنسيين ، وقرار التجريد أبلغه إلى صاحب الترجمة مترجم الإقامة العامة الفرنسية الذي أكّد له أنهم لا يؤاخذونه بشيء وأنهم عازمون على تسميته في وظائف أخرى ، واستمر على مباشرة وظيفة كاتب بجمعية الأوقاف . وانتابه قلق وضيق من الوضعية السياسية الجديدة ، ففكر في مبارحة تونس ، وطلب الإذن في السماح له بالسفر لضرورة الراحة ، ورفض هذا الطلب ، وبقي مباشرا لوظيفته ، وفي سنة 1882 أعاد تقديم الطلب لغرض أداء فريضة الحج ، وأذن له في السفر ، فركب البحر في 8 رجب 1299 / 25 ( ماي ) أيار 1882 على باخرة البريد الإيطالي برانس دي نابولي التي حملته من حلق الوادي إلى نابولي ، وفي إيطاليا لقي الجنرال حسين الذي زار معه عدة مدن إيطالية ، واقترح عليه كتابة رسالة قدح في مصطفى بن إسماعيل وسياسته نسبت إلى علالة بالزاي . والتقى بشخصيات أخرى في إيطاليا منهم الصحفي المصري إبراهيم المويلحي . وبارح إيطاليا في 2 رمضان 1299 / 18 ( جويلية ) تموز 1882 على متن باخرة وكالة الأسفار البحرية ، ونزل بإستانبول في 6 رمضان 22 ( جويلية ) تموز ، وأقام فيها عند محمد بيرم الخامس ، ولقي خير الدين ، واتصل بالجالية التونسية التي لم يكن بعض أفرادها اللاجئين حديثا راضين بشروط الإقامة التي منحت لهم ، وهذا مما حدا بالمترجم أن يقلع عن فكرة الهجرة ، وبدأ في تهيئة الرجوع إلى الوطن فوجّه مكتوبا إلى تلميذه القديم الناصر باي ، وفي إستانبول تعرف بالعلماء وبعض الشخصيات الهامة ، منهم شيخ الطريقة المدنية الشاذلية ذو الأصل الليبي محمد ظافر مستودع أسرار السلطان عبد الحميد ونظم فيه قصيدة مدح ترجمت إلى التركية ، ورفض عرض إنشاء جريدة عربية بإستانبول ذات ميل للجامعة الإسلامية والرابطة العثمانية بمساندة من السلطان . وركب البحر من إستانبول في ذي القعدة 1299 / 24 ( سبتمبر ) أيلول 1882 إلى جدة ، ومنها أدى