يوسف المرعشلي
1278
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وانجلت تلك الأباطيل ، وكانت الدائرة على أهل التضليل ، أعيدت إليه شياخة الإسلام بالاستحقاق ، واستمرّ هكذا مقلّدا بكلتا الوظيفتين حتى عزل عنهما لمعارضته الحكومة فيما خالف الشريعة الغراء في عهد المرحوم الخديوي السابق توفيق باشا يومئذ ، وأعيدت شياخة الإسلام للشيخ الإمبابي ، وقلّد الإفتاء الشيخ البنا . وكان الشيخ البنا المذكور شديد الثقة باقتدار المترجم في العلم وغيرته على الدين ، حتى كان إذا سألته الحكومة أن يقضي في أمر مهم أعلنها بأنه لا يقول في الأمر شيئا إلا بعد أن يعرضه على المترجم . فكانت الحكومة تلحّ عليه في الطلب وتقول له : أنت المفتي الرسمي لا هو . فكان يجيب : وإن كنت ذلك إلا أنه هو صاحب القول في الدين . واستمر ذلك إلى أن عاد الإفتاء إلى المترجم بعد قليل ، واستمر معه إلى أن اعتراه مرض المنية ، وقد عيّن في أثناء تمرضه الشيخ حسونة النواوي وكيلا عنه ثم أصيلا بعد حياته ، واستمر نحو سنتين وعزل عنه ، وتقلّده المرحوم الشيخ محمد عبده . وقد كان المترجم صاحب الحق دون غيره في تعيين القضاة الشرعيين والمفتيين ( بخلاف الآن فإن الحقانية هي صاحبة الحق وحدها ) ، وكان يعين الأكفّاء الغيورين ، ولذا كان يذبّ عن حقوقهم في كل ما يرى فيه مساسا لكرامتهم ، فقد أتاه الشيخ حسن العدوي مستغيثا به ، حينما استصدر شيخ الإسلام الشيخ مصطفى العروسي أمر المغفور له إسماعيل باشا بإبعاده ، فتوسّط له في العفو . وقد كان المترجم رحمه اللّه شديدا في الدين ، لا يقول غير الصدق ، ولا يحيد عن الحق ، لا تثنيه المرهفات ، ولا تورطه المرجفات ، كم رأى في سبيله من العقبات فأزالها بسيف هذا الدين ، وكم اؤتمن على أرقى المناصب فأداها بالأمانة ، وكم هدّده الأمراء بالقتل والنفي فلم يجدهم منه شيء ، ولم ير غير تعزيز الإسلام ملاذا لتطهير ذمته ، وشفيعا له عند ربه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون . طلب منه المرحوم عباس باشا الأول فتيا بأن ما بأيدي عائلة محمد علي باشا الأكبر من أطيان وأملاك هو حق لبيت مال مصر ، إذ هو حاصل لهم من مال المصريين لما ظنه الوالي من أحقّية بيت المال به ، فلم يفته بل قال : « لا يسأل المالك من أين ملك » ، وقد جوّز ذلك وأفتاه به بعضهم ، ولما كان من الرسميات إفتاؤه تولّى الطلب وهو لا يتحول عما أجاب به إلى أن أمر بنفيه في شهر رمضان إلى أبي قير حيث كان بها الوالي يومئذ ، وكرر عليه الطلب فأجابه أخيرا : « إن الأمير يأبى أن أترك الشرع حتى يقال عني غيّر أحكام اللّه وأهان الشريعة السمحاء ، ومع ذلك أنا قابل النفي والقتل في سبيل تعزيز ديني » ، فلما رأى الوالي أن ذلك غير مجد ، وأن المترجم مخلص لدينه ولا غرض له غير إعلاء كلمته ، أعاده إلى مصر وأنعم عليه إقرارا بأحقّية ما فعل وجزاء له على ما أصاب . وبهذا كان بينه وبين الأمراء المودة المكينة بعد عرفانهم بقيمته ، فقد كان بينه وبين سعيد باشا مودة يضرب بها المثل ، وخلع عليه الخلع الجزيلة ، ومنحه المنح الجليلة . وقد كان المترجم عضوا في المجلس العلمي مع شيخه الشيخ السقا والشيخ العروسي والشيخ البقلي ، وكان إسماعيل نائبا عن الوالي سعيد باشا ، وقد صادفهم أمور معضلة قد توقف هو وحماة الدين الأعضاء المذكورين عن التصديق عليها ، لجنوحهم عن الأغراض والسير على غير نمط الشريعة الإسلامية . وقد كانت عضوية هؤلاء الأفاضل سببا عظيما في معرفة الخديوي الأسبق إسماعيل باشا قدر رجال الدين وقدر المترجم ، حتى ثبتت مودة المترجم في فؤاده . ومما رفع مكانته لدى الأمير المذكور ، أنه أراد إلحاق الأوقاف الأهلية بالأوقاف العمومية حينما كان ناظرها ، وأراد أن يستعيض أربابها ما يكلف معاشهم ، وسأله الفتيا بالجواز حتى عظم الأمر لدى الأمير ، وتجمهر المخالفون له ، إلى أن توالت إليه الرسائل وازداد التهديد ، فأعلن المترجم أنه ليسهل عليه تجرّده مما يملك وما ورث عن آبائه من أن يعلن أنه حكم بما لم ينزل اللّه ، وأنه حابى بدينه أو راعه التهديد ، فراعى جانب المخلوق أو أخذته في الدين لومة . فبعد ذلك دعاه الوالي وعقد مجلسا تحت رئاسته ليقف على حقيقة الخلاف ، فحضر المترجم ودار حديث الشيخ مع مخالفيه الواحد بعد الواحد حتى أجمع الجميع وأقروا