يوسف المرعشلي
1196
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
قرأ القرآن الكريم في المكاتب ( الكتاتيب ) ، ثم ألحقه والده بمدرسة عبد اللّه باشا العظم وبالمكتب الإعدادي الملكي في دمشق . وحضر خلال ذلك دروس الشيخ جمال الدين القاسمي ، وقرأ على والده الشيخ عبد الرحمن البرهاني . وفي أواخر الحرب العالمية الأولى التحق بالجيش العثماني 15 كانون أول 1918 م برتبة ملازم ثان رشاش ، وذلك بعد أن تدرّب في دار تعليم ضباط الاحتياط المشاة ( تعليم كاه ) بإستانبول . وما لبث أن طلب التسريح من أجل أن يكمل التحصيل العلمي ، فسرّح ، ثم أرسل بعد مدة إلى المدرسة الحربية برتبة وكيل ضابط . وبعد قيام الدولة العربية في الشام التحق بالجيش 4 كانون الثاني 1919 م ضابط احتياط ، وسرّح بعد خمسة وعشرين يوما تقريبا ، ثم شارك في معركة ميسلون مع الجيش المرابط فيها سنة 1920 م ، وسرّح بعد أيام في 27 تموز . بعد ذلك التحق بسلك التعليم ، وتنقّل بين عدد من المدارس في جيرود وإزرع ، ودمشق وجوبر وسرغايا ، والضمير ودوما حتى استقر في دمشق ، وعلّم في بعض مدارسها . لازم علماء عصره ، فقرأ التوحيد ، ومصطلح الحديث ، وغير ذلك من العلوم على الشيخ عبد القادر الإسكندراني ، وأخذ عن المحدث الشيخ بدر الدين الحسني ، ودرس في الفقه الحنفي « الهداية » على مفتي الشام الشيخ عطا اللّه الكسم ، وقرأ القرآن الكريم والتجويد على الشيخ محمد القطب ، وتلقّى علوما مختلفة عن الشيخ محمود العطار ، والشيخ صالح الحمصي ، قرأ عليه كتبا منها « شرح كفاية الغلام » له ، والشيخ أبي الخير الميداني ، وعنه أخذ الطريقة النقشبندية ، والشيخ محمود ياسين الذي تمرن عنده على الخطابة . ولما توفي والده نازعه أحد طلاب العلم على خطابة جامع التوبة ، فشكا إلى أستاذه المحدث الشيخ بدر الدين ، فناصره ، وأقرّه على الإمامة والخطابة فيه . ولما أحيل على التقاعد سنة 1945 م تفرغ للجامع المذكور يوجّه الناس ويعلّمهم ، ويخطب فيهم ، ويؤمّهم . وفي هذه الفترة تعرّف إلى الشيخ محمد الهاشمي التلمساني ( شيخ الطريقة الشاذلية ) فلازمه الملازمة التامة ، وقد قرّبه الشيخ منه فمال إلى التصوف ، ودخل الخلوة على يديه ، وأخذ عنه الورد العام والخاص ، وأصبح مرشدا في حياته ينيبه عنه أكثر الأحيان ، وخلفه من بعد وفاته سنة 1381 ه ، فغدا إماما مرشدا داعيا إلى اللّه ، وشيخا للطريقة الشاذلية الدرقاوية حتى توفي . وله إجازات عدّة تلقاها عن المحدث الشيخ بدر الدين ، وعن الشيخ محمد صالح الآمدي الدياربكرلي الحسني ، وعن الشيخ محمد الهاشمي ، وعن الشيخ محمود العطار . اتصف المترجم بأخلاق رضية ؛ كان آية في التواضع ، وصفاء السريرة مثل شيخه الشيخ محمد الهاشمي . حسن الظنّ بالناس ، دائم الذكر والصلاة على النبي صلى اللّه عليه وسلم ، غزير الدمعة ، يراقب اللّه ، بارّا بوالديه حتى إنه لم يكن يدّخر مالا ، بل يسلم أباه كلّ ما يحصل عليه ، ولا يترك لنفسه شيئا . وأما والدته فقد كان يكرمها ويحترمها ويحبها ، ولا يخرج من البيت إلا بعد تقبيل قدميها ، وكذا عند عودته . وكان لطيف المعاملة وخصوصا مع مريديه يتفقدهم ويؤانسهم . زاهدا لا تهمه الدنيا مقبلة أو مدبرة ، بقي سبعا وعشرين سنة قبل وفاته لم ينقطع فيها عن الحج كل سنة . يحب الصالحين والأولياء ، ويزور ضرائحهم في الشام ومصر والعراق . بدأ التدريس عندما كان أبوه ينيبه في بعض دروسه وخطبه ، فلما توفي الوالد ، وأحيل المترجم على التقاعد تفرغ - كما ذكرنا - لجامع التوبة . وكان يواظب على الدروس لا ينقطع إلا لسفر ضروري أو مرض عارض ، وشغلت دروسه يومه كله لا يبتغي فيها أية غاية سوى رضا اللّه تعالى . خصّص درسين في جامع التوبة أحدهما بعد الفجر ، والآخر بين العشاءين ، يحضرهما طلاب العلم وبعض العامة ، يقرر فيهما مختلف أنواع العلوم ، وخاصة الفقه الحنفي والتفسير والحديث والتصوف . وكان لهما أكبر الأثر في نشر العلوم وتربية النشء ؛