يوسف المرعشلي
1185
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وكان أول انتاجه الأدبي مؤلفه النفيس « أدب الحجاز » ، وقد أصدره عام 1925 م ، وهو صفحة من أدب الناشئة الحجازية شعرا ونثرا ، وفي عام 1926 م تولّى ترتيب وجمع وإصدار « المعرض » وهو مجموعة آراء شبان الحجاز في اللغة العربية ، وأصدر في نفس العام كتابه « خواطر مصرحة » وهو مجموعة مقالات في الأدب واللغة والاجتماع والنقد ، وكان إصدار هذه الكتب الثلاثة آخر أعماله الأدبية في هذه الفترة من تاريخ حياته الحافل بجلائل الأعمال ، فقد حالت مهام الوزارة دون تفرغه للأدب والتأليف ، ومن مآثره أن كان الفضل له في نشر كتاب « شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام » للفاسي . لقد حمل الصبان الأجلّ رسالة العلم والأدب ثلث قرن ، وبنى جيلا ، وبعث نهضة ثقافية باهرة ، وأعاد لمهد لغة الضاد سمعة الأدب الحيّ في الحجاز الذي خلّدته الأجيال ، ومهّد طريق الأدب للشباب ، وله آراء بليغة في إصلاح اللغة وتوحيد برامج التعليم في البلاد العربية ، وهو المشجّع البارز لحركة التأليف والبعث الأدبي في بلاده . فما السحر إلّا ما حواه بيانه * وما الدّرّ إلا ما حوته رسائله * شعره : هو شاعر مجيد ملهم ، دانت القوافي لقريحته الفياضة في أسلوب عربي فصيح مكين ، لقد تناول الموضوعات الاجتماعية الحساسة التي يتعشّقها المجتمع ، ولها صلة بالآمال والأماني ، فقال قصيدته الرائعة في الوطن ، وهو في سجنه ، ويدلّ أسلوبه على صراحته ونبوغه واعتداده بكرامته ، وقد تجمّل بالصبر والتآسي ، فخاطب نفسه ووطنه فقال : أنا لا أزال شقي حبك * هائما في كل واد زعم العوازل أنني * أسلو وأجنح للرقاد كذبوا وحقّك لست أقدر * أن أعيش بلا فؤاد ولسوف أصبر للمصا * ئب والكوارث والبعاد حتى أراك ممتّعا * بالعز ما بين البلاد * إحسانه ومبراته : لقد تحدث المجتمع الإسلامي عن مآثر هذا المحسان الأجلّ ، وستبقى خالدة تضرب بها الأمثال ، وإن القارئ ليستشفّ من صفحة وجهه طهارة النفس والندى ، ويلمح جميع معاني رجولته من انبلاج ثغره ، فعناصر مكارمه ومبراته هما قوام عظمته ، وسر نجاحه ، وهي مقرونة بالشجاعة والوفاء في أمانة وتقى ، على أن الفضائل النادرة كالإحسان والتضحية والشرف ونبل النفس ، تتيح للإنسان أن يكون من أحب الناس إلى الناس ، ومن أشرفهم فيهم منزلة . ومن أبرز صفاته ، أنه وديع في الجود ، يكتم حتى عن أصابع يده جوده ، تلك اليد الكريمة التي تحسن دون غاية أو منّ ، وقد تمسك بالحكم الأخير من الآية الكريمة وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ [ البقرة : 271 ] ولولا أن المعوزين من العوائل المستورة ، هم الذين يفشون هذا السر لما علم بذا أحد . والصبان المحسان هو كالشجرة على معبر الطرق ، تعطي الثمر في أرض جدباء ولا تسأل ، يأكل منها العابرون ، وشيمته : نحن خلقنا للمكارم والمبرات . وقد صدق الصبان بوصف نفسه فقال : إذا همت كفي لطالب فيضها * غمرته بالإنعام والحسنات واستمع إلى نصحه لأبناء قومه في قصيدته الحكمية بعنوان ( إلى أبناء الغد ) حيث قال : أيها الأبناء سمعا إنني * سوف أتلو لكم ذكرى السنين كان لي مال وجاه وندى * وسماح فوق وصف الواصفين أجمع المال لكي أنفقه * في مواساة العباد البائسين وقد حلل شخصيته الأديب المعروف الأستاذ عبد اللّه عريف بقلم صادق بليغ ، وألمع في وصفه ، أنه داهية عصره في تسامحه ومحاولة تقريب مناوئيه والمستأنسين منه بشتى الأساليب والأفانين ، ويعرف كيف تنقاد إليه القلوب . * خدماته الاجتماعية : هو المؤسس لدار الإسعاف في الحجاز ، وعدا عن قيامها باختصاصها الإنساني في إسعاف المرضى ، فقد أصبحت أول ندوة يلتقي بها