يوسف المرعشلي
1150
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
للقضية الإسلامية بقدر ما أستطيع » « 1 » . وعندما اندلعت الحرب العالمية الأولى وتولّى جمال باشا حكم سورية ، عمل الشيخ مع عدد من المفكرين ضدّ حكمه الجائر ، فسجن يوم 15 آب 1916 ، متهما بالتستر على المتآمرين ، وحوكم ، ثم أطلق سراحه ، بعد أن بقي في السجن حتى يوم 29 كانون الثاني 1917 . وحزّ في نفسه وهو سجين أن يمنع من المطالعة والكتابة وقال في هذا : غلّ ذا الحبس يدي عن قلم * كان لا يصحو عن الطرس فناما هل يذود الغمض من مقلته * أو يلاقي بعده الموت الزؤاما أنا لولا همة تحدو إلى * خدمة الإسلام آثرت الحماما ليست الدنيا وما يقسم من * زهرها إلا سرابا أو جهاما وعاد بعد سجنه إلى التدريس في المدرسة السلطانية والجامع الأموي . ثم استدعي للعمل في الآستانة منشئا عربيا بوزارة الحربية ، بسعي من الشيخ حسن ظافر وعلي باش حامبة الزعيم التونسي ، ليتولى الإرشاد في جامع الفاتح . ولما استقر في الآستانة كان خاله قد توفي سنة 1334 ه فباشر عمله . ثم كلّف بمهمة في ألمانيا صحبة عدد من العلماء كالشيخ صالح الشريف وإسماعيل الصفائحي التونسيين ، وبقي هناك تسعة أشهر على اتصال مع النازحين من ظلم الفرنسيين إلى ألمانيا . وتعلم خلال شهر اللغة الألمانية . ثم رجع إلى الآستانة ، فبقي فيها مدة قليلة ، عاد بعدئذ منها إلى برلين سنة 1337 ه ، ومكث بها سبعة أشهر حتى انتهت الحرب العالمية ، وحين هزمت تركيا رجع إلى الآستانة ، ومنها إلى دمشق ، التي دخلتها الجيوش العربية بقيادة الأمير فيصل . وفي دمشق تابع التدريس بالمدرسة السلطانية وغيرها . وعندما تأسس المجمع العلمي العربي سنة 1919 وعقد جلسته الأولى في 30 تموز من هذه السنة وقع تعيينه عضو شرف « 2 » . وبعد معركة ميسلون سنة 1339 ه / 1920 م رحل إلى مصر هروبا من الحكم الفرنسي ، الذي لا حقه خفية في تونس ، ثم حكم عليه بالإعدام غيابيا ، لاتهامه إياه بالمشاركة بتحريض المغاربة في ألمانيا وتركيا ضدّ السلطة الفرنسية في شمال إفريقية ، فأحزن سفره أصدقاءه ومحبيه في الشام ، ومنهم الأستاذ الشاعر خليل مردم ، الذي وجه إليه فيما بعد رسالة رقيقة تدل على مكانته عند الشاميين ، وصداقته لهم ، وفيها قوله : « إنّ خير ما أثبته في سجل حياتي وأشكر اللّه عليه ، معرفتي للأستاذ الجليل السيد محمد الخضر التونسي وإخوانه الفضلاء وصحبتي لهم . وقد صحبت الأستاذ عدة سنين ، رأيته فيها الإنسان الكامل ، الذي لا تغيره الأحداث والطوارىء ، فما زلت أغبط نفسي على ظفرها بهذا الكنز الثمين ، حتى فاجأني خبر رحلته عن هذه الديار ، فتراءت لي حقيقة المثل : بقدر سرور التواصل تكون حسرة التفاصل » . وأتبع الشاعر رسالته بقصيدة سماها الرتيمة « 3 » ومطلعها : طيف للمياء ما ينفك يبعث لي * في آخر الليل إن هومت أشجانا يغري الدموع بأجفان مسهدة * من حيث يوري على الأحشاء نيرانا فلو تراني وأمر الليل مجتمع * مشتت الرأي إثر الطيف حيرانا حسبتني مطفلا قد ضلّ واحدها * عنها فطبقت الآفاق تحنانا إلى أن قال : أكاد أقضي جوى والدار جامعة * فكيف حالي إذا وقت النوى حانا فأجابه الشيخ بقصيدة عنوانها « الصداقة هي الرتيمة » ومطلعها : ما النجم تجري به الأفلاك في غسق * كالدر تقذفه الأقلام في نسق
--> ( 1 ) « خواطر الحياة » ص : 5 . ( 2 ) « تاريخ المجمع العلمي العربي » ص : 10 . ( 3 ) الرتيمة : خيط يعقد في الإصبع للتذكير . ( المعجم الوسيط ) .