يوسف المرعشلي
1151
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ومنها قوله : هي الرتيمة فيما قال مبدعها * وهل يغيب السنا عن طلعة الفلق إني على ثقة من أنّ ذكرك لا * ينفك مرتسما في النفس كالخلق وكيف أنسى ( خليلا ) قد تضوّع في * حشاشتي وده كالعنبر العبق ولم ينس الشيخ بقية أصدقائه العلماء في دمشق ، كما أنه لم ينس ما وجده في دمشق من تقدير واحترام ، جعلاه يذكر تلك المرحلة من حياته في كل مناسبة ، ويميزها عن بقية مراحل حياته . ويصف رحلته إلى الشام ، فيقول : « هذه الأوطان الثلاثة [ تونس وسورية ومصر ] التي قضيت بها عمرا غير قصير ، وإذا كان فضل العلماء والمحققين والأدباء المستقيمين والرؤساء الراشدين قد غطى في تونس ومصر على ما أشرت إليه من مناوأة بعض الغافلين أو الجاحدين حتى أنسى ، ولم تبلغ أن يكون لها في حياتي الأدبية أثر ، فإن الأعوام التي قضيتها بين أهل دمشق ، لم أشعر فيها على ما أذكر إلا برقة العطف وحسن اللقاء أينما كنت ، فإذا حننت إلى دمشق فإنما أحنّ إلى الخلق الكريم والأدب الأخاذ بالألباب ، وقد شهد لها بهذه المزايا كثير من نزلائها العلماء والأدباء من قبلي » . ولما استقر في القاهرة بعيدا عن أهله وأقاربه وأصدقائه ومحبيه تقدّم إلى امتحان العالمية الأزهرية ، فنال شهادتها ، واتصل ببعض المصريين الذين عرفهم في زياراته السابقة لمصر ، وتعرّف إلى العلامة أحمد تيمور ، وقدّر مكانته وقيمته العلمية ، وساعده هذا الأخير على الاستقرار . وكان بينهما محبة وود . عمل الشيخ مصححا بدار الكتب المصرية ، واشتغل بالفهارس ، إضافة إلى الدروس والمحاضرات التي كان يلقيها في المساجد ، والبحوث والمقالات التي يكتبها في الصحف والمجلات . أسس محمد الخضر في مصر جمعية تعاون جاليات إفريقية الشمالية 1343 ه / 1924 م ، ضمت أعضاء من تونس والجزائر والمغرب وليبيا ، وكانت مهمتها رفع مستوى هذه الجاليات ثقافيا واجتماعيا . كما أسس « جمعية الهداية الإسلامية » سنة 1346 ه / 1927 م ، وكان من أعضائها الشيخ مصطفى المراغي شيخ الأزهر ، والشيخ عبد الحليم النجار . وكانت تهتف إلى تمتين الصلات بين الشعوب الإسلامية ، والتعريف بحقائق الإسلام ، ورفع شأن اللغة العربية ، عن طريق إلقاء المحاضرات ، وإصدار المجلة المعروفة باسم هذه الجمعية . وقد استمرت هذه المجلة حتى الحرب العالمية الثانية . وظهر تقدير علماء مصر للخضر حسين عندما وقع الاختيار عليه ليقوم بالتدريس في قسم التخصص بالجامع الأزهر سنة 1346 ه / 1927 م . وعندما أسندت مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد الأحمدي الظواهري ( ت 1944 م ) اهتم بمشروع مجلة دينية ، فصدرت مجلة « نور الإسلام » التي تمثل الجامع الأزهر ، وتولى إدارتها عبد العزيز محمد ، ورئاسة تحريرها محمد الخضر حسين . إضافة إلى الإشراف العلمي عليها . وهو الذي كتب افتتاحية العدد الأول الذي صدر في المحرم من سنة 1349 ه . ثم ترأس الشيخ تحرير مجلة لواء الإسلام ، وكان من هيئة كبار العلماء . وعندما أنشىء مجمع فؤاد الأول في القاهرة سنة 1351 ه / 1932 م كان محمد الخضر من بين الأعضاء الأوائل ، الذين صدر مرسوم تعيينهم سنة 1352 ه / 1933 م ، وكان له نشاطه البارز في أعمال المجمع العلمية . كان خلال حياته في مصر يتلهّف إلى زيارة دمشق ، ويحنّ إليها في كل مناسبة ، وهو القائل عنها : أحنّ إلى لياليها كصب * يحنّ إلى ليالي الرقمتين ومطمح همتي في أن أراها * تسامي في علاها الفرقدين واستجابة لهذا الشوق وتلبية لرغبة أسرته سافر إلى دمشق في 25 ربيع الثاني سنة 1356 ه / 1937 م ، وأقام بها شهرين ، وكتب في مجلة « الهداية الإسلامية » حديثا عن هذه الرحلة ، تكلم فيه عن اجتماعه بالعلماء الشاميين ، واستقبالهم له في عدد من