يوسف المرعشلي
1091
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
لذلك عدة سنين أضاع به وقتا ثمينا ، لو صرفه في نشر العلم هنا لأفاد كثيرا . غير أنه استفيد من سفره هذا نشر كتب « أحكام القرآن » للإمام أبي بكر أحمد بن علي الرازي المعروف بالجصاص المتوفى سنة 370 . فقد وجد منه شيخنا عدة نسخ في مكاتب الآستانة في تردده إليها أثناء وجوده ، فسعى لدى نظارة الأوقاف ثمة وحسّن لها طبعه فوافقت على ذلك ، وطبع الكتاب في الآستانة في ثلاثة مجلدات في مطبعة الأوقاف الإسلامية ، وهو كتاب جليل من كتب المتقدمين الجديرة بالنشر ، وقد صحح معظمه بنفسه فجزاه اللّه خيرا . وكان نظمه متينا محكما ، لا حشو فيه ، حسن السبك منسجما ، غير أنه لم تكن عنايته به كثيرة ، لا ينظم إلا عند الاقتضاء والطلب ، ولم يعتن بجمعه ، فذهب ما صاغه من عقوده كأن لم يكن . والذي بقي محفوظا من آثاره الشعرية منظومته للشمسية في المنطق ومنظومته المسماة « حدائق الرند في ترجمة ترجيع بند » وهي محتوية على كثير من الحكم والأمثال والمواعظ والحقائق ويستشهد الآن بالكثير من أبياتها أولها : ذا معمل الصنع العجيب مكتب * نقوشه عن علم غيب تعرب وفلك طاحونة المصائب * والناس فيها مثل حب ذاهب ملتقما أفراخه كالعفرية * وهو كوكر الطير واهي الأروية « 1 » ومن يحقق يجد الأشياء * مناما أو خيالا أو هباء وكل شيء للتناهي ينقلب * فانظر فصول العام كيف تنقلب والمرء عن كسب اليقين عازب * والاعتقاد عن حجاه غائب يا رب ما هذا العناء واللدد * وحاجة المرء بكسرة تسد لا عاصم من قدر السماء * بل كل شيء هدف القضاء والأصل أن يظهر مقدور الأزل * والخطء ، والصواب في الناس علل وكل تأثير من الرحمن * لا حكم للأفلاك والأزمان سبحان من قد حيّر العقولا * بصنعه وأعجز الفحولا هذا هو الفصل الأول وقال في الفصل الرابع : للضعف صار الظبي لقمة الأسد * والذئب أضحى طعمة له النّقد « 2 » وبالذباب تغتدي العناكب * والصقر أيضا للحمام خالب كذا العقاب للبغاث تفترس * وللضفادع الأفاعي تختلس إلى أن قال : ظلم القويّ للضعيف جاري * في الأرض والهواء والبحار جاء في الفصل السادس : يفتر ورد والهزار ينتحب * يودي العليل والطبيب يكتسب وجيفة الميت الغني مغتنم * ينتابها العافون أمثال الرخم نام الغريب في تراب الذل * وارتفق المثري وساد الدّل وازدهر الشمع بمجلس الطرب * واحترق الفراش من ذاك اللهب كالنرجس الثوم تبدي والبصل * والطيب قد خص بحبس ذي أزل قد عز في الدنيا الخسيس الجاهل * وعاش في الذل الحسيب العاقل ورب ذي جهل لدولة ملك * ورب ذي عقل للقمة هلك
--> ( 1 ) العفرية العفريت والأروية جمع رواء وهو الرباط الذي يربط به الشيء اه من الأصل . ( 2 ) النقد جنس من الغنم .