يوسف المرعشلي
1090
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
مالك » إلى اللغة التركية . وما زال هذا الشاب يتدرج في الخدم العالية حتى صار واليا في حلب وفي عدة ولايات . وممن لازم أخي من أفاضل الأتراك رفعت بك المناستري صاحب المؤلفات الشهيرة عند الأتراك وهو الذي اقترح على أخي أن يعرب المنظومة الحكمية المعروفة ب « ترجيع بند » المنسوبة إلى ضيا باشا أحد فضلاء الأتراك ، وقد سمى تعريبها « حدائق الرند » ونظمها نظما بديعا حريا أن يعد من نوع السهل الممتنع ، مع محافظته على مقاصد الناظم دون زيادة ولا نقصان . وقد استعام رفعت بك بأخي على تفسير القرآن الكريم باللغة التركية ، ففسر منه نحو الثلثين ثم أدركته منيته . * صفته وصفاته المعنوية كان رحمه اللّه عظيم الهامة ، بعيد ما بين المنكبين ، واسع الجبين ، مشرق الوجه ، خفيف العارضين ، لا يرى فيهما سوى شعرات قلائل ، وكاد الصلع يعم رأسه ، مائلا إلى الطول بدينا ، قد ملأ جسمه ثيابه ، مفتول الساعدين ، عظيم الكفين والقدمين ، يميل لون وجهه إلى الاصفرار ، ولون بشرته إلى البياض الناصع ، رقيق القلب يتأثر جدا لرؤية الفقراء وأرباب البلايا ، ومع ما كان عليه من الشفقة والحنان كان على غاية ما يكون من القوة والشجاعة وثبات الجأش ، لا يروعه حادث مهما كان عظيما ، محبوبا عند الناس خاصتهم وعامتهم مسلمهم وغير مسلمهم ، وكان تلامذته في الغاية القصوى من محبته واحترامه ، وكان عذب المنطق ، حلو الحديث ، نادر الفكاهة ، كثير الصمت ، حسن التفهيم ، وقلما يتحدث بنادرة أدبية يعرفها أحد من أهل مجلسه ، وكان يقرأ في المدرسة الرضائية تفسير القرآن العظيم للقاضي البيضاوي ، فيرى منه كبار الطلبة العجب العجاب في تقرير مسائله وكشف مخبآت إشاراته وحل ما في حواشيه من العبارات الغامضة والتراكيب المستغربة ، وكان الشعر من بعض محاسنه ، إذا نظم في موضوع جمع في نظامه البداعة والفصاحة وحسن البيان . مؤلفاته له رحمه اللّه عدة مؤلفات غير أنه كان لا يعبأ بما يؤلفه ، من ذلك كتاب في اللغة ضمنه جميع ما في مختار الصحاح من الكلمات اللغوية ، وجعله على أسلوب حكاية سائح يذكر في حكايته الكلمة ويعطف عليها مرادفها تفسيرا لها . ومن ذلك كتاب في الفقه الحنفي ، لخّص فيه ما جاء في كتاب الدر المختار وحواشيه من الأحكام والمسائل المفتى بها ، وهو في مجلد ضخم لكنه لم يكمل . ومنها عدة مجاميع في حادثات الفتوى ، لو جمعت لبلغت مجلدا كبيرا ، غير أن هذه الكتب قد بقيت في مسوداتها ، ثم على تمادي الأيام تناثرت أوراقها ولعبت بها أيدي الضياع ولم يبق لها من أثر . أما مؤلفاته التي طبعت فهي : - « رسالة في التجويد » . - « ترجمة ترجيعبند » . - « نظم الشمسية في علم المنطق » وهو نظم رائق متين لا يظهر فيه أثر للتكلف ، كما يظهر ذلك في منظومات المتون العلمية . وله من المؤلفات التي لم تطبع تفسير صغير مختصر مفيد يمكن طبعه على حاشية المصحف ، وقد بقي في مسوداته . هذه خلاصة ترجمة أخيه له ، وهو حريّ بما قاله فيه ، فقد كان رحمه اللّه آية من آيات اللّه في حفظ اللغة ، ومعرفة معاني غريبها ، وحفظ شواهدها ، وربما استشهد للكلمة الواحدة بالبيتين والثلاثة والأربعة من كلام العرب ، فكان يأخذنا لذلك منتهى العجب ، وكاد يأتي على حفظ « لزوم ما لا يلزم » و « سقط الزند » و « ديوان المتنبي » وغير ذلك ، مع فهم معاني ذلك حق الفهم ، وكنا نرى أنه أجدر الناس بوضع شرح ل « لزوميات » أبي العلاء يوضح به ما هو مغلق فيه ، وهذا ما كنا نتمناه من شيخنا لكنه لم يتوفق لذلك ، وله مع ذلك اليد الطولى في غير ذلك من العلوم مثل المعاني والبيان والمنطق والتفسير والحديث ، وقرأت عليه قسما كبيرا من « صحيح البخاري » إلى كتاب الحج حينما قرأه في الجامع الأموي وفي المدرسة العثمانية . نعم كنا كغيرنا لا نود له قبوله النيابة عن أهالي حلب وذهابه إلى الآستانة مبعوثا عنها ، وكنا نرى جميعا أن الأجدر به عدم قبوله لأمثال ذلك ، فإن السفر