يوسف المرعشلي

928

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

خير الدين على محاسبته على الأموال التي دخلت خزينة الدولة مدة ولايته ، تشكل مجلس يتركب من اثنين من الوزراء واثنين من شيوخ المجلس الشرعي تحت رئاسة ولي العهد ، وأن تتقدم الدولة بمطالبها على خزنه دار ، ويتولّى وكيله الدفاع عنه ، واختار الوزير خير الدين صاحب الترجمة وكيلا للدولة في هذه القضية ثقة بما عرف به من رجاحة العقل وسداد الرأي ، ولما انتهت هذه المسألة تولّى قضاء باردو سنة 1290 / 1876 إثر انتقال شيخه محمد الشاذلي بن صالح من هذه الخطة إلى خطة الإفتاء ، وكان من أعضاء اللجنة التي تشكلت في وزارة خير الدين لوضع قانون تنظيمي للتعليم الزيتوني تحت رئاسته ، وأعضاء هذه اللجنة هم كما يلي : رئيسها الوزير خير الدين ، وكيل الرئيس الباش كاتب ( وزير القلم ) الشيخ محمد العزيز بوعتور ، والأعضاء هم : صاحب الترجمة ، والشيخ أحمد بن الخوجة ، والشيخ الطاهر النيفر ، والشيخ محمد بيرم الخامس ، والشيخ أحمد الورتاني ، والشيخ مصطفى رضوان ، والسيد العربي زروق . وكان كل واحد من أعضاء هذه اللجنة يضع ما يبدو له ، ثم يجتمعون وينقّحون ذلك ويدوّنونه فصولا ، حتى انتهى ذلك القانون سنة 1292 / 1878 ، وبعد انتهائه عرض عليهم الوزير خير الدين قانونا حرّره بنفسه لنظارة الجامع وإقامة نائبين عن الدولة ، وسمي صاحب الترجمة نائبا أول عن مستشار المعارف الجنرال حسين ، فوقف المترجم على تنفيذ القانون أحسن قيام ، وأصبحت إدارة الجامع العلمية بيد صاحب الترجمة فكان مثال العدالة والاستقامة . لما أراد المقيم العام الفرنسي بول كامبون إجراء تنظيمات جديدة تمس التقاضي بين التونسيين والأجانب في شأن الأراضي ، اهتم أولا بقضايا التسجيل وما يطرأ من خلافات بين التونسيين والأجانب ، واقترح وضع القانون العقاري ، فكان المترجم من العمد في تدوينه ، وصدر به الأمر عام 1303 / 1883 ، وبمقتضى هذا القانون تأسس المجلس المختلط العقاري ، وانتخب المترجم لرئاسة القسم التونسي فيه . واختير ضمن من سيضعون لائحة مجلة العقود والالتزامات ، فكانت تقاريره محل إعجاب أساتذة الحقوق في الجامعات الأوروبية الذين حلوا بتونس لهذا الغرض . وولي في عام 1303 / 1890 خطة الإفتاء للمالكية مع احتفاظه بوظائفه الأخرى ، فأظهر فيها ضلاعة فقهية مع براعة فائقة في تطبيق الفروع على الأصول . ومن حبه للخير وإيثار العمل الصالح أنه تنازل في سنة 1324 / 1906 عن مرتّب التدريس للمتطوعين بالتدريس بجامع الزيتونة ، وأوصى لهم بقطع من المزارع يصرف لهم ريعها بعد وفاته . وفي سنة 1325 / 1907 استقال من جميع وظائفه عدا التدريس بجامع الزيتونة لتقدمه في السن وضعفه عن القيام بأعباء وظائفه ، وبقي في التدريس يدرّس تفسير البيضاوي ، وقبلت الدولة استقالته من منصب الفتوى والنيابة بجامع الزيتونة ، وسمته مفتيا شرفيا ونائبا شرفيا ، وعيّنت له في السنة أربعة آلاف وسبعمائة وأربعين فرنكا مرتبا دائما . وفيما يخص أخلاقه قال عنه تلميذه محمد الخضر حسين : « كان ذا جبين طلق وصدر رحب يقابل الأذى بالحلم ، وربما ابتسم للكلمة يرمي بها وهو شاعر بما تنطوي عليه من سوء ، ولا تأخذه رفعة منصبه من الانبساط للفقراء والأميين والنزول إلى محادثتهم بقدر ما يفهمون ، وله عطف على سائر المتعلمين ، واعتناء بالغ بالأذكياء منهم ، كما اشتهر بالمحافظة على إجلال الأساتذة ، ورعاية حقوقهم في حال الغيبة واللقاء . توفي ليلة الثلاثاء في 3 محرم عام 1329 / 3 ( جانفي ) كانون الأول 1911 ، ودفن بمقبرة الزلاج بتربة الأشراف الهنديين ، لمكان علاقته المتينة بالبيت المحسني . مؤلفاته : 1 - « رسائل في مسائل من العلوم » . 2 - « فهرسة صغرى » . 3 - « فهرسة كبرى » . عمر باجنيد - عمر بن أبي بكر بن عبد اللّه الحضرمي ( ت 1354 ه ) .