يوسف المرعشلي

927

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ومحمد بن عاشور الشهير بحمدة ، ومحمد النيفر ، ومحمد بن ملوكة ، ومحمود قابادو ، ومحمد الشريف الذي أجازه بما في ثبته ، ومحمد الشاذلي بن صالح الذي أجازه بما في فهرسته ، ومصطفى البارودي . ونجح في شهادة التطويع بدرجة حسن جدا ، وباشر بعدها التدريس بجامع الزيتونة بصفة متطوع بإذن من شيوخه وإلحاحهم وذلك سنة 1266 / 1828 ، وفي سنة 1268 / 1850 أعلن عن فتح مناظرة للتدريس من الطبقة الثانية فلم يشارك فيها ، ولما انتهى المتناظرون من مواد المناظرة قال العلامة شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع لرفاقه في النظارة : إني سمعت منذ أيام طالبا صغيرا لا أعرف اسمه يقرئ درسا يفوق هذه الدروس التي ألقاها المتناظرون ، وبحث المشايخ النظار عن ذلك الطالب الصغير فإذا هو صاحب الترجمة فأولي مدرّسا من الطبقة الثانية ، وبقي فيها خمس عشرة سنة فارتقى إلى الطبقة الأولى سنة 1282 / 1865 ، واستمر على التدريس نحوا من ستين عاما درّس فيها أهم الكتب والمواد في التعليم الزيتوني كالتفسير ، والحديث ، والفقه ، والأصلين ، والبلاغة ، والمنطق ، وآداب البحث والمناظرة ، وتخرجت عليه طبقات لا تحصى ، وممن قرأ عليه : إبراهيم المارغني ، وحمودة تاج ، وصالح الشريف ، ومحمد القصار ، ومحمد مخلوف المنستيري صاحب « شجرة النور الزكية » ، ومحمد السلامي الصفاقسي ، ومحمد الطاهر بن عاشور ، ومحمد الخضر حسين ، ومحمد المكي بن عزوز ، وعلي الشنوفي ، وغيرهم كثيرون . قال عن أسلوبه وطريقته في التدريس تلميذه العلامة الشيخ محمد الخضر حسين : « أما أسلوب الأستاذ في التعليم فمن أنفع الطرق ، كان يقرئ عبارة المتن ويبسطها حتى يتضح المراد منها ، ثم يأخذ في شرح عبارات الشرح ، وما تمس الحاجة إليه من الحواشي والكتب التي بحثت في الموضوع لا سيما الكتب التي استمد منها شارح الكتاب ، ويتبعها بالبيان جملة جملة ، ولا يغادر عويصة أو عقدة إلا حل مغلقها ، وأوضح مجملها حيث يتعلم الطالب من دروسه كيف يلتقط جواهر المعاني من أقوال المؤلفين زيادة عما يستفيده من علم . والأستاذ لم يأخذ في دروسه بطريقة الإملاء كما يصنع كثير من الأساتذة ، إلا أن له مزيد التحقيق والكشف عن أسرارها بوجه يدلّك على ما له من سعة العارضة والغوص في أعماق المباحث إلى أبعد غاية . وعادته أن لا يورد بحثا أو جوابا عن اعتراض إلا بعد التثبت والاستناد فيه إلى قاعدة مسلمة ، ومن هنا كان الغالب على إفهامه الاستقامة وإصابة المرمى ، وإذا عثر على خلل لبعض المؤلفين التمس له المعذرة ما أمكنه ، وإلا قرّر وجه الخلل ونبّه على مكانه بأدب ولطف في البيان ، وكان له عقل أشرب قوانين المنطق ، فلا يروح عليه الزيف وإن صدر من عظيم أو خرج من زخرف من القول ، ومن أشهر دروسه وأدلّها على مقدرته الفائقة درسه « للمواقف » لعضد الدين الإيجي بشرح السيد الشريف الجرجاني الذي ابتدأه في حدود سنة 1285 / 1867 ، ولبث في تدريس هذا الكتاب عشرين سنة أو أكثر حتى أتى على ختمه ، ويوم ختمه أنشد تلامذته القصائد البليغة من إنشائهم ، وانقطع لهذا الدرس انقطاعا عديم النظير ، وأظهر من الضلاعة في العلوم الحكمية ودقة الفهم ، وبراعة التقرير معاني سارت بها الركبان ، ولإعداد هذا الدرس يعقد مجلسا ليليا في منزله يشهده كثير من العلماء الذين يحضرون الدرس بجامع الزيتونة للتذاكر في مسائل درس الغد ، فيهتدي بتوقفاتهم وإفهامهم إلى مقاعد التحرير من الدرس ، ويفارقونه والمسائل عندهم وعنده لا تزال محاطة بشيء من الغموض محتاجة إلى طريق فيصل في تقريرها وتصويرها ، وبعد انصرافهم يخلو بنفسه للمطالعة فيجيء إلى الدرس صباحا وقد قتل مسائله بحثا وتحقيقا . وقد حضر هذا الدرس الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في زيارته الأولى لتونس سنة 1300 / 1883 وأعجب بقيمة المترجم ودرسه أيما إعجاب ، وناهيك بقيمة الشيخ محمد عبده في العلوم الحكمية . وفي سنة 1278 / 1861 انتخب عضوا في المجلس الأكبر المؤسس بمقتضى قانون عهد الأمان ، ونائبا لرئيس المجلس الاعتيادي ، فظهرت له براعة فائقة في تطبيق القوانين . لما عزل الوزير مصطفى خزنه دار ، وعزمت حكومة