يوسف المرعشلي
901
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
واحدا رغما عن سياسية الاستعمار في تجزئتها ، وأمله في البقاء في هذه الأقطار . وبعد تخرّجه رجع إلى مسقط رأسه ، وعيّن أستاذا بالمدرسة الصادقية في سنة 1935 ، فبثّ روحا جديدة في تلاميذه قوامها الفكرة الوطنية الصادقة ، والاعتزاز بالشخصية القومية ، ومقاومة مكائد الاستعمار ودسائسه . وخشي الاستعمار من سريان هذه الروح الجديدة في أوساط الطلبة ، فسلّط عليهم العقوبات الصارمة ومنها الطرد النهائي ، ورأى الاستعمار في هذا الأستاذ الجديد خطرا على سياسته ، فأقصاه الكاتب العام للحكومة كاترون عن وظيفته في 15 ( مارس ) آذار 1938 بدعوى أنه قام بجولات دعائية لفائدة الحركة الوطنية ، فما استخذى ولا استسلم ، ووالى نشاطه في الحزب الحر الدستوري الجديد . وكان لقرار الفصل رد فعل في كل الأوساط الشعبية ، فأضرب طلبة الصادقية وجامع الزيتونة وطلبة المدارس الأخرى ، وتأسست في تونس « لجنة الاتحاد الزيتوني المدرسي » للعمل على تنسيق نضال الطلبة إلى جانب الحزب ، وعقدت اجتماعها الأول بنادي الحزب في اليوم الثاني من ( أفريل ) نيسان 1938 وحضره زهاء ثلاثة آلاف طالب . وشارك المترجم له في مؤتمر الحزب المنعقد في 20 ( أكتوبر ) تشرين الأول - 2 ( نوفمبر ) - تشرين الثاني 1937 وكان انضمامه إلى الحركة الدستورية عام 1936 . وكان انعقاد هذا المؤتمر من أجل تغيير الحكومة الفرنسية ( الجبهة الشعبية ) التي وعدت بإدخال إصلاحات جوهرية على أجهزة الحكم بتونس ، ورأى الاستعماريون الفرنسيون بتونس أن هذا الوعد لا يتفق مع مصالحهم فسعوا إلى نشر الفوضى والاضطراب ، فأطلق البوليس النار على العملة المضربين في المتلوي في 8 ( مارس ) آذار 1937 فأردى منهم 19 قتيلا وجرح الكثير منهم ، ونتيجة لذلك غيّرت الحكومة الفرنسية سياستها وعدلت عن تنفيذ الإصلاحات التي وعدت بها . وقرّر الاستعمار الفرنسي مصادمة الحركة الوطنية وإلقاء القبض على رجالها ، وفي هذا الجو من الفزع والرعب وقعت مظاهرة شعبية أمام القصر الملكي بحمام الأنف في 7 ( أفريل ) نيسان 1938 ، وهتف المتظاهرون بحياة تونس واستقلالها . وقاد المترجم له مظاهرة كبرى سارت من ساحة الحلفاوين ، والتقت في باب البحر بالمظاهرة الثانية التي قادها الزعيم المنجي سليم والتي انطلقت من معقل الزعيم ، وكانت الجماهير تنادي ببرلمان تونسي ، وكانت ساحة الإقامة العامة ( السفارة الفرنسية ) مطوقة بالجيش والدبابات والسيارات المصفحة ، وفي هذا الجو المكهرب اعتلى المترجم له أكتاف الشبان والعلم التونسي يرفرف إلى جانبه وارتجل خطابا ثوريا حماسيا رائعا من أهم ما جاء فيه : « جئنا في هذا اليوم لإظهار قوانا أمام هذا العاجز ( يقصد المقيم العام أرمان قيون ) الذي لا يقدر أن يدبّر شؤونه بنفسه ويتنازل عنها إلى « كاترون » ( أي الكتاب العام للحكومة ) ذلك الغادر الذي لا يزال يكيد للتونسيين ، ويريد سحقهم في هذه البلاد لا قدّر اللّه » . ولم تكن هذه المظاهرة وذلك الخطاب الناري يمران بدون رد فعل عنيف من السلطة الاستعمارية ، فألقت القبض على المترجم له في 9 ( أفريل ) نيسان ، وسرى الخبر في العاصمة سريان البرق ، وتجمع المتظاهرون أمام المحكمة الفرنسية للسؤال عن مصير هذا الزعيم الشجاع ، وبادر البوليس إلى تفريق جموع المتظاهرين ضربا بالعصي وإطلاق الرصاص ، كما خرج الجيش من ثكنة القصبة وجال في شوارع باب المنارة وباب البنات وباب السويقة ، وفي حركة جنونية ألقى القبض على المارة ، وأطلق الرصاص فقتل 122 تونسيا وجرح أكثر من ستين ، ودامت المعركة نحو ساعتين ، وزادت شراسة الاستعمار بعد قتل أحد الجندرمة وإحراق عربة ترمواي قرب باب سويقة ، وقرر اعتقال قادة الحركة الوطنية بتهمة التآمر على أمن الدولة في فجر 10 ( أفريل ) نيسان وكان من بينهم المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة ، والحبيب بوقطفة ، والبحري قيقة ، وصالح بن يوسف ، والطاهر صفر ، والمنجي سليم ، والهادي شاكر . وفي هذه الفترة سجن المترجم له بتونس ثم نقل إلى تبرسق ، ثم نقل في عام 1941 إلى برج سان نيكولا في مرسيليا . وفي أثناء الحرب العالمية الثانية وانهزام فرنسا واحتلالها من قبل الجيوش الألمانية وإخضاع بقية