يوسف المرعشلي

797

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

إلى أن ترك إبراهيم باشا البلاد الشامية ، فعاد مصطفى آغا وعائلته إلى بيروت وتوطّنوا فيها . ( * * ) ميله العلمي تلقى علومه الأولية في المدارس الإسلامية أولا ، ثم في المدرسة الوطنية للمعلم بطرس البستاني . ثم لازم حلقات الدروس الدينية التي كانت تقام لأكابر العلماء أمثال الشيوخ عبد القادر الخليلي ويوسف الأسير ، ومحيي الدين اليافي ، وإبراهيم الأحدب ، فتخرج بعد أن حاز مختلف الدرجات العلمية والدينية والعصرية . ( * * ) ميله الاجتماعي في سنة 1290 هجرية تألفت في بيروت « جميعة الفنون » برئاسة الحاج سعد حمادة ، وانتخب عضوا فيها الشيخ عبد القادر . وكان هدف الجمعية خدمة الفقراء ونشر المعارف ، وأنشأت الجمعية شركة مساهمة لتأسيس مطبعة ونشر جريدة باسم « ثمرات الفنون » على أن يكون امتيازها باسم الشيخ عبد القادر قباني . تسلّم إدارة المطبعة والجريدة المذكورتين وتمّ صدور العدد الأول من جريدة « ثمرات الفنون » في 20 نيسان سنة 1875 م . وعلى إثر انحلال « جمعية الفنون » احتفظ الشيخ عبد القادر بالجريدة والمطبعة ، وتابع إصدار الجريدة بمعاونة نخبة ممتازة من حملة الأقلام والفكر ، أمثال الشيخ يوسف الأسير ، والشيخ إبراهيم الأحدب ، وإسماعيل ذهني بك الذي كان محاسب متصرفية جبل لبنان ، وسامي قصيري ، وعوني إسحاق ، وسليم عباس الشلفون ، وإسكندر فرج اللّه طراد ، والشيخ أحمد حسن طباره ، والحاج محمد محمود الحبال ، وكثير غيرهم ممن كانوا يقدرون الخطة الوطنية التي سارت عليها جريدة « ثمرات الفنون » وما كان يتمتع به صاحبها من مكانة سامية . وبصورة خاصة لدى المسلمين إذ يعتبرونها لسان حالهم الصادق ومرآتهم الصافية بما تنشره من أخبار عن مختلف البلاد الإسلامية والأجنبية . وفي 12 أيار 1899 أقيم احتفال فخم لها بعيدها الفضي لمرور 25 سنة على صدورها ، حضره أهل الفضل والعلم والأدب والشعر ، الذين محضوا الشيخ عبد القادر ثقتهم ، بالنظر لما كان يقوم به من دعوة للوفاق والمحبة والاتحاد الوطني ، لدرء خطر الاستعمار الأجنبي الذي كان يتحفز للاستيلاء على البلاد الإسلامية والعربية ، لنهب خيراتها وكنوزها ، وللقضاء على الدولة العثمانية . . وكان لسماحته الفضل العميم في افتتاح الاكتتاب على صفحات « ثمرات الفنون » لمشروع مد خط السكة الحديدية بين دمشق والحجاز المقدس لتسهيل الحج إلى بيت اللّه الحرام وزيارة الروضة الشريفة مقام الرسول الأعظم صلى اللّه عليه وسلم ، والذي تم وصوله إلى المدينة المنورة . كما كان يدعو للأخذ بالعلم وارتياد معاهد التدريس العالي واقتباس الفنون العصرية ومماشاة المدنية الحديثة ، مع الاحتفاظ بالعادات والتقاليد الوطنية والإسلامية . وقد تابع رسالته تلك مدة 34 سنة ودّع بعدها الصحافة في صباح يوم الاثنين 2 تشرين الثاني سنة 1908 بصدور الدستور العثماني الذي منح الحرية لإصدار الصحف لمن يشاء . وقد أطلق كلمته المأثورة : « أنه يجب أن يقوم بتحرير كل جريدة نخبة من كتّاب جميع العناصر للمحافظة على تأليف وحدة وطنية ، التي هي روح الدستور ، إذا اتفق كتّابها على التفاهم والتحابب ونبذ كل ما يدعو إلى سوء التفاهم » . إن العلامة الشيخ عبد القادر لم يكتف بما قام به من الخدمات الوطنية ، بل سعى مع بعض أصدقائه ومحبيه وعارفي إخلاصه لتأليف جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت . وكان أول اجتماع رسمي للجمعية في داره سنة 1295 هجرية الموافق سنة 1878 ميلادية ، وانتخب رئيسا لها ، وقد أسست بعض المدارس الابتدائية للذكور والإناث . وقام الشيخ عبد القادر بالإشراف على بنيان المدرسة التي سميت بالمدرسة السلطانية ، والتي لا تزال قائمة للآن ، والمعروفة بكلية البنات ، وتولى إدارتها بنفسه ، حيث كان لها الأثر الكبير مع بقية مدارس الجمعية في النهضة الوطنية والعلمية . وبذلك نالت مدارس الجمعية نصيبا وافرا من النجاح ، مما أثار روح الحسد في نفوس البعض . . فوشوا بها إلى الحكومة الرئيسية في الآستانة ناسبين إليها وإلى الوالي مدحت باشا المشهور الذي كان واليا على سوريا ( قبل تشكيل ولاية بيروت ) السعي لاستقلال البلاد العربية . فأصدرت حكومة الآستانة أمرها بإلغاء الجمعية وإبدال