يوسف المرعشلي
786
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
كان المترجم مبارك الطلعة ، يحبه الصغار والكبار ، ويجلّه أهل العلم ، كان كما يعرفه من حوله شيخا مهيبا ، أبيض الوجه واللحية ، عريض الجبهة ، أخضر العينين ، ذا بصيرة عجيبة . وتروى له كرامات كثيرة جدا . كانت له مع الفرنسيين حوادث غريبة اشتهرت ، منها أنهم قبضوا عليه مرة وهو يتجول ، فساقوه ليأخذوا من دمه لجنرال جريح ، واستنزفوا منه كمية كبيرة لا يقرها الطب ، وهو ساكن هادىء ، لا يفوه بكلمة ، ثم تركوه ساخرين ، ليلاقي الموت المحقق . وسريعا ما فوجئوا به يقوم أحمر الوجنتين معافى ، وفوجئوا بموت الجنرال . وكم من مرة سجنوه ، ثم وجدوه في حي القنوات ماشيا ، يعود إلى بيته ، وكأن شيئا لم يكن . وأطلقوا عليه النار مرة ، فما أصيب بسوء . ودسوا له السم في طعامه ، فلم يضرّ به . ومما يروى له أنّ فقيرا كان يتلوّى من شدة الجوع ، رأى المترجم ، فلحق به ، وسار خلفه ، فما التفت إليه ، ولا كلّمه ، حتى مرّ على خباز ، فأخذ منه رغيفا ، ثم مرّ على روّاس ، فأخذ رأس غنم مسلوقا ، وضعه على الرغيف ، والتفت فجأة إلى الفقير وناوله الطعام . وكان أحيانا إذا مرّ على الباعة أو التجار أخذ من بضائعهم وأموالهم ، ليدفعها إلى الفقراء المستحقين . وكان الكثيرون منهم تطيب صدورهم بذلك ، ولا يعارضونه فيما يأخذه منهم . وقد مدّ يده مرة ليأخذ من بضائع معروضة عند أحد التجار ، فنهره ، وزجره ، فبقي التاجر بعدها لا يبيع ولا يدخل إلى دكانه زبون ، حتى ترضّى المترجم وسأله الدعاء . دخل دكان تاجر في سوق الحميدية ، فمدّ يده على الصندوق ، وأخذ ليرة ذهبية ، فلما مضى تبعه بعض أصحاب الفضول ، لينظر ما يصنع ، فانطلق إلى حيّ الشاغور ، فطرق باب بيت كانت فيه امرأة بائسة ، تعاني آلام المخاض ، وعندها القابلة تريد أجرها قبل أن تمدّ يدها عليها . مرض في آخر حياته بالملاريا ، وسمعه من حوله يصيح أنا الموت . ولما عرض عليه الدواء رفضه ، وطلب أن يسقوه من ماء البركة . ثم اصفرّ لونه ، وصار يصيح بصوت عال : « حق . . حق . . » مرات عديدة ، يكررها . ثم نادى على أصغر بناته ، فتحدّث معها بكلام لم تفهم منه شيئا . وتوفي بعد ستة عشر يوما من مرضه ، سنة 1354 ه . وشيّع في جنازة حافلة ، غصّت لها الطرقات ، سار أمامها رجال المولوية ، ووري في مقبرة الشيخ خالد النقشبندي بالسفح . وقبره خلف حائطه . عبد القادر الميداني « * » ( 1245 - 1319 ه ) قائمقام ، ومدير أوقاف دمشق : عبد القادر بن علي بن عبد القادر ، الشهير بالميداني . ولد بدمشق سنة 1245 ه تقريبا ، ونشأ بها ، وكان والده من تجارها وجده من علمائها . اشتغل بالتجارة أول أمره ، ثم صار قائمقام بلدة النبك ، ثم مديرا لأوقاف بغداد ، ثم نقل إلى دمشق ؛ فظلّ مديرا بها نحو عشرين عاما إلى أن توفي . كان حسن الإدارة ، لطيف العشرة ، من أعيان دمشق ووجهائها . توفي في ذي الحجة سنة 1319 ه بعد ما قضى مناسك الحج . عبد القادر عودة « * * » ( 000 - 1374 ه ) عبد القادر عودة : محام من علماء القانون والشريعة بمصر . كان من زعماء جماعة « الإخوان المسلمين » . ولما أمر جمال عبد الناصر بتنظيم « محكمة الشعب » كتب صاحب الترجمة نقدا لتلك المحكمة . وفي جملة ما ذكر أن رئيسها جمال سالم طلب من بعض المتهمين أن يقرأوا له آيات من القرآن بالمقلوب ! واتهم بالمشاركة في حادث إطلاق الرصاص على جمال ( 1954 ) ، وأعدم شنقا على الأثر مع بضعة متهمين آخرين .
--> ( * ) « أعيان دمشق » : 407 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 188 . ( * * ) « جمال عبد الناصر » ص : 209 ومجلة العرب : 6 / 877 ، وكتاب « كلمتي للتاريخ » من تأليف محمد نجيب : 152 . و « الأعلام » للزركلي : 4 / 42 .