يوسف المرعشلي
740
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
لا تتسع لوجوده فيها وأن يبارحها إلى حيث شاء وإلّا يضطره إلى سلوك سبيل لا يرضاه من سجنه واضطهاده ، فبارح تونس مجبورا في قالب مختار في 26 ( أوت ) آب 1923 متجها إلى الشرق ، وقد تكون مفارقته إلى تونس في ذلك الظرف الحرج من غلطاته التي يؤاخذ عليها ، ومرّ بإيطاليا وأدلى بتصريح حمّل فيه فرنسا التآمر على مقتل محمد الناصر باي ، وتجول بأقطار الشرق ، فأقام فترة بفلسطين ، واحتفت به مدينة القدس ، وعمل فيها كما كان يعمل في مسقط رأسه لا فرق بين تونس والقدس . قال الأستاذ سامي الجندي : « بل ربما أولى هذه ما لم يوله تلك لأنه يعلم أنها مهددة بخطر أفدح من الخطر المحيط بتلك ، ولأنها ثاني القبلتين ترتاح روحه للصلاة في أقصاها » ، وأثناء إقامته بالقدس كلّفه الشيخ الحاج محمد أمين الحسيني بتحضير المؤتمر الإسلامي الذي انعقد سنة 1932 فوضع نظامه ، وكان أينما حل في أقطار الشرق العربي محل تقدير وإكبار وحفاوة ، فأقام بالقاهرة فترة ، ثم توجه إلى الحجاز ، ثم توجه إلى الهند ، ثم توجه إلى مسقط والبحرين والكويت . وفي كل قطر زاره يلقي الخطب البليغة في الدعوة إلى استنهاض الشعوب الإسلامية وإصلاحها على وفق ما كان يدعو إليه الشيخ جمال الدين الأفغاني . وكانت أخبار تحركاته وتنقلاته تنشر في الصحف العراقية ، وبالنظر لما يعرفه العراقيون من نضاله وجهاده في سبيل العروبة والإسلام ، فقد قررت حكومة العراق وكانت إذ ذاك برئاسة ياسين الهاشمي توجيه دعوة له بزيارة العراق ، فتقبل منها هذه الدعوة الكريمة بالشكر والامتنان . ويبدو أن هذه الدعوة كانت بإيعاز من الملك فيصل الذي تعرف به في إستانبول كما تعرف به هناك جميل صدقي الزهاوي ، ومعروف الرصافي ، وغيرهم من رجال العراق . وصل إلى بغداد في 14 ( جويلية ) تموز 1925 ، وما إن سمع قادة الفكر والأدب والسياسة بوصوله حتى سارعوا للسلام عليه والترحيب به ، لا سيما أولئك الذين كانت لهم معه معرفة سابقة في إستانبول . وأقام له أدباء بغداد حفلة تكريمية تقديرا منهم لجهاده ونضاله ولم يمض على إقامته أسبوعان ، وتقرر إقامة الحفلة مساء يوم 14 ( أوت ) آب 1925 . وفي هذه الحفلة ألقى الزهاوي قصيدة ، وبعده ألقى الرصافي قصيدة ، وقصيدة الزهاوي مطلعها [ طويل ] : وقفت نحيفا بالعزيز أرحّب * فأنشد للتكريم شعرا فأطرب ومنها : أحييك يا عبد العزيز تحية * لها الحب أمّ والوفاء لها أب أحييك من ضيف له بغداد نافست * به فهي عن أحسابها اليوم تعرب أحييك من حبر رسا طود علمه * وبحر خضّم ماؤه ليس ينضب إلى الأدب العصري للعرب حاجة * وأنك يا عبد العزيز المؤدب وكم لك في الأيام من وطنية * بآثارها سرّت نزار ويعرب وكم لك من قول جدير بأنه * على صفحات الدهر بالتبر يكتب ولم تغترر بالدهر قد سالم الحجى * لعلمك أن الدهر بالناس قلّب إلى أن قال : وما أنت إلّا عالم ذو صراحة * بها الناس مهما أجفلت تتهذّب كذلك نور الشمس إمّا تكشّفت * فإن بها الأرض الكريمة تخصب وقصيدة الرصافي عنوانها : بين تونس وبغداد وهذا نصها [ وافر ] : أتونس إن في بغداد قوما * ترفّ قلوبهم لك بالوداد ويجمعهم وإيّاك انتساب * إلى من خصّ منطقهم بضاد ودين أوضحت للناس قبلا * نواصع آية سبل الرشاد فنحن على الحقيقة أهل قربى * وان قضت السياسة بالبعاد وما ضرّ العباد إذا تدانت * أواصر من لسان واعتقاد