يوسف المرعشلي
741
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وإن المسلمين على التآخي * وإن أغرى الأجانب بالتعادي وكان المترجم له على معرفة سابقة بالملك فيصل ورستم حيدر رئيس الديوان الملكي في إستانبول وباريس ، لذلك لم يكد يصل إلى بغداد حتى سارع بالسلام على الملك وشكره على تفضل حكومته بدعوته لزيارة العراق . واقترح عليه الملك فيصل أن يكون أستاذا في ( جامعة آل البيت ) التي تمّ تأسيسها منذ سنة ببغداد ، وشكر الثعالبي هذا اللطف وأيد ما أبداه وقال : أنا بانتظار جلالتكم ، وغادر البلاط الملكي وهو مسرور بهذا اللقاء . وبعد إجراءات باشر عمله الجامعي في مطلع سنة 1926 ، ودرّس بها مادة ( الفلسفة الإسلامية ) في الصف الثاني منها ، ومادة ( حكمة التشريع ) في الصف الثالث ، ودرس هاتين المادتين خلال الخمس سنوات التي قضاها أستاذا في هذه الجامعة إلى أن أصدر أمر بإلغائها سنة 1930 م . ونشرت له مجلة الجامعة محاضرة في الفلسفة الإسلامية في عددين ، كما نشرت له محاضرة في حكمة التشريع . وقد خصص صباح كل يوم جمعة ندوة يستقبل فيها أصدقاءه ومعارفه من الشخصيات السياسية والأدبية ، وكان في مقدمة هؤلاء جعفر العسكري ، وياسين الهاشمي ، وطه الهاشمي ، وفهمي المدرس ، وعبد اللطيف الفلاحي ، ومنير القاضي ، ويوسف العطار ، وغيرهم . وكانت اجتماعات هذه الندوة السياسية والأدبية تحفل بشتى الأحاديث التاريخية والسياسية والأدبية ، التي تتناول شؤون الساعة في الوطن العربي مشرقه ومغربه وما يجد من أحداث وتطورات في شتى مجالات الحياة العامة . وعندما انتدبت الحكومة العراقية الأستاذ أحمد حسن الزيات لتدريس آداب اللغة العربية في مدرسة دار المعلمين العليا ببغداد في نهاية سنة 1929 كان في مقدمة الذين سعى إلى التعرف بهم الشيخ الثعالبي ، فكان يحضر ندوته الأسبوعية ويشارك في أحاديثها الأدبية وغيرها ، ومن رواد هذه الندوة محمد بهجت الأثري ، ومعروف الرصافي قبل انفصام رابطة الصداقة بينهما . في نهاية السنة الدراسية في مطلع سنة 1930 أقرت الحكومة إلغاء جامعة آل البيت ، والاستعاضة من ذلك بإرسال البعثات إلى مصر على حساب وزارة الأوقاف ، وتوقّف صرف راتب الثعالبي ، الأمر الذي جعل البلاط الملكي يتدخل في ذلك وطالب أن تسدّد رواتبه لغاية السنة الدراسية بما فيها أشهر العطلة . وتقرر تعيينه مراقبا لبعثة الأوقاف في مصر . وبعد أن تقاضى رواتب العطلة الصيفية غادر بغداد في ( سبتمبر ) أيلول 1930 بعد أن أقام بها مدة خمس سنوات ، كان له في أوساطها السياسية والثقافية والأدبية والاجتماعية ذكريات طيبة ، كانت وما تزال حديث المجالس والمنتديات . ورجع إلى تونس في صيف 1937 ، ونظم له الحزب الحر الدستوري الجديد احتفالا رائعا بساحة قامبطا وألقى فيها خطابا رائعا ، وبعد مدة حدث الخلاف بينه وبين الحزب الجديد الذي يتزعمه المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة ، وكأنه لم يدر أن الأحوال تغيرت أثناء أربع عشرة سنة من غيابه في المشرق ، وأصبحت قيادة الجماهير بيد بورقيبة قائد وزعيم الحزب الدستوري الجديد ، فرأى أن الجماهير ليست معه ، وألقي عليه الظل فانعزل عن المجتمع ولزم داره ، ولولا بعض الفصول التي كان ينشرها بين الحين والآخر في جريدة « الإرادة » لسان حال الدستور القديم ما شعر الشعب بوجوده ، وفي هذه الفترة كان منزله منتدى يحضره المنتمون للحزب القديم وأعضاء هذا الحزب ، وتدور الأحاديث المختلفة ، ويلقي أحيانا محاضرات في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية ، وحضره مرات مدرس بجامع الزيتونة وشاعر أيضا ما زال بقيد الحياة للتجسس ونقل الأخبار إلى السفارة الفرنسية عن طريق الهاتف بالبريد ، واستوثق من صحة الخبر بإرسال السيد محيي الدين القليبي لإدارة البريد صحبة السيد محمد بن عبد القادر للاستماع إلى ما يقوله الشيخ عن طريق الهاتف ، ولما تبين صحة هذا الخبر طرد هذا الشيخ من منزله شر طرد في الجلسة الموالية . رحمه اللّه وغفر له ، وأنا لا أعتبره معصوما فهو كسائر البشر يخطئ ويصيب ، وإن كان أخطأ فعن