يوسف المرعشلي

739

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

التونسية ورئيس الولايات المتحدة ويلسن في باريس حاضرا في مؤتمر الصلح ومعه بنوده الأربعة عشر ، ولم ينجح الأستاذ السقا في مهمته فتقرر إرسال المترجم له في آب ( أوت ) 1919 ولما وصل إلى باريس عرّف بالقضية التونسية لدى الأوساط السياسية ، واستخدم التونسيين المقيمين في باريس والعرب عامة الذين بهرتهم شخصيته وبلاغته ونجح في مهمته ، واتصل بالزعماء الاشتراكيين وربط معهم أواصر الصداقة ، ونظم الاجتماعات وكتب في الصحف ، وظهرت مواهبه الخطابية وهيمنته على مستمعيه وقدرته على إقناعهم . وكوّن صداقات عديدة خاصة مع الزعيم الاشتراكي مارسال قاشان ( M . Cachin ) الذي مكنه من عرض القضية على مجلس النواب . واجتمع بلجنة حقوق الإنسان التي وعدت بالاهتمام بالقضية التونسية ، وانتسب إلى عدة جمعيات منها « اللجنة الفرنسية الشرقية » و « اللجنة الفرنسية الإسلامية » ، وأسس « جمعية الطلاب التونسيين » كما أسس بالاشتراك مع شارل جيد « الجمعية الفرنسية التونسية » . وفي هذا الفترة أصدر كتابه « تونس الشهيدة » غفلا من التوقيع ، وعمل على نشره ، فأرسله بالبريد إلى كل المسؤولين في فرنسا ، وأرسله إلى تونس بوسائله الخاصة ، وعلقت عليه الصحف الفرنسية ، ونشرت الصحافة الحرة بعض المقاطع منه ، وأثار الكتاب ضجة ودويا ، فألقي القبض على صاحبه في باريس في 28 ( جويلية ) تموز 1920 ، وجيء به في عنبر باخرة مخفورا إلى تونس بتهمة التآمر على أمن الدولة التونسية . وفي 20 فيفري شباط 1920 اجتمع أعضاء الحزب التونسي لوضع حد للخلافات القائمة بينهم ، فاقترح الأستاذ حسن قلاتي أن تنحصر مطالب التونسيين في المطالبة بإصلاحات لتحسين أجهزة الإدارة دون مساس بنظام الحماية ، فأجابه الشيخ محمد الرياحي : بأنه يعارض أي تعاون مع الاستعمار ، وأن الشعب التونسي يرفض الاحتلال الفرنسي وإعطاء أي حق لفرنسا على تونس . وتكررت الاجتماعات السرية إلى أن توصل الفريقان المختلفان إلى الاتفاق على برنامج عمل غايته الوصول إلى بعث دستور لتونس ، واتفقا على إرسال لجنة لتعاون الثعالبي في مهمته بباريس ، وأطلقوا على حركتهم اسم « الحزب الدستوري » . وقامت الإضرابات من أجل قضايا الأحباس في 10 نيسان ( أفريل ) سنة 1920 ، وسافر وفد برئاسة الأستاذ أحمد الصافي ( الأمين العام للحزب ) لعرض الموضوع على المسؤولين الفرنسيين ، فمكنه المترجم له بما له من علاقات واسعة من مقابلة العديد من المسؤولين في مختلف المنظمات . ويبدو أن الأستاذ حسن قلاتي لم يكن راضيا عن سيطرة الثعالبي على الوفد ، لأن الغاية من إرسال الوفد هي إقصاء الثعالبي عن المواجهة ، وقال : « إن الوفد التونسي الحقيقي الأول هو الذي سافر إلى باريس سنة 1920 برئاسة الصافي ، ولكننا لم نحسب حساب قلة خبرته وقدرة الثعالبي الطاغية على الإغراء ، فقد هيمن هذا الساحر في لحظة على الوفد الذي خضع بعد تردّد ومحاولات لا تقع فيها البلاغة وإقناع مؤلف تونس الشهيدة » . ولما خرج المترجم له من السجن بعد أن صدر من المحكمة قرار يمنع محاكمته في ( ماي ) - أيار 1921 أخذ اتجاهه يقوى ويشتد في تونس ، وتضاءل أثر منافسيه ، ولقي من العطف والتأييد ما لا سابقة له في تونس ، ولم يغفر له ذلك خصومه ، وانقسمت الحركة الدستورية قسمين : قسم إصلاحي تدريجي ، وقسم الرفض الذي يقوده الثعالبي ويمثل أكثرية الشعب . وانفصل حسن قلاتي وأسّس مع رفاقه حزب الإصلاح الذي يرضى بما يلقي إليه الاستعمار من فتات الإصلاحات ، وقاوم بمختلف الأساليب الحزب وزعيمه . وتألّم المترجم له من حملة جريدة « المضحك » الساخرة ، فقد جعلت منه ومن كتابه « تونس الشهيدة » موضوع سخرية ، وأغرت السلطة الاستعمارية حسن قلاتي بالثعالبي فأخذ يكيل الهجوم جزافا ، وثقل الجو على المترجم له وأحس للمرة الأولى باليأس . يضاف إلى هذا أن المقيم العام لوسيان سان أفهمه أن البلاد