يوسف المرعشلي

738

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

المرموقون من زعماء تلك الفترة مثل علي باش حانبة الذي أصدر سنة 1907 جريدة « التونسي » وهي فرنسية اللسان ، فقد كتب في افتتاحيتها الأولى ما يلي « لقد بدأ عمل فرنسا التمديني يأتي أكله في تونس ، فهنالك جيل جديد تثقّف باللغة الفرنسية ، وانطبع بأفكارها الكريمة بدأ اليوم يأخذ مكانه في التجديد القائم ، وهو إيمانا بهذا المبدأ ينشئ جريدة التونسي . يلي ذلك عرض للمطالب التونسية وهو إعادة لما نادى به البشير صفر في خطابه ونصفه مدائح لفرنسا « نرجو أن تعمد فرنسا انسجاما مع تقاليدها ومثلها العليا الديمقراطية أن تمنح التعليم المجاني الابتدائي » وبإلحاح من صاحب الترجمة صدرت نشرة عربية عن جريدة « التونسي » سميت « الاتحاد الإسلامي » تولى تحريرها بنفسه . ونشأ نوع من التجمع الشعبي حول جامع الزيتونة والمدرسة الصادقية ، ونادى طلابهما بضرورة إصلاح مواد ومناهج التعليم وخاصة بجامع الزيتونة ، وذلك قبل تنفيذ الشيخ محمد عبده الإصلاح في الأزهر . وفي 10 نيسان ( أفريل ) 1910 قدم الطلاب عريضة مطالبهم إلى وزير القلم بعد أن قاموا بمظاهرة امتدت على مقربة من جامع الزيتونة إلى القصبة ، فقبضت الشرطة على اثنين منهم ، فتدخل جماعة جريدة التونسي ( حزب الشباب ) ، وخطب علي باش حانبة في الطلاب مهدئا ، ونجحت في النهاية وساطته بينهم وبين الحكومة . وكان المترجم له يكتب المقالات الطويلة دفاعا عن قضية الطلاب ، حتى أنهم اعتبروا جريدة « الاتحاد الإسلامي » جريدتهم ، وخصص لهم قسما من الجريدة يحرّرونها بأنفسهم لعرض قضيتهم . ونجح الطلاب في الحصول على بعض مطالبهم ، وخرج من سجن منهم وعددهم ثمانية ، ونظموا مظاهرة كبرى حملوا فيها رفاقهم على الأكتاف ، وخطب فيهم جماعة حزب الشباب ومنهم المترجم له . ويوم أعلنت إيطاليا الحرب على تركيا في 29 أيلول ( سبتمبر ) 1911 ونزلت بجيوشها في ليبيا برز المترجم له قائدا شعبيا تلتف حوله الجماهير ، فقد سخر طاقاته من قلم ولسان للدفاع ضد الغزو الاستعماري ، وشد أزر المقاومة . وتعاون مع القادة الأتراك في تنظيم بديع وتوزيع محكم للمسؤوليات ، فقد كانت مثلا صفاقس مركز اتصال بليبيا عن طريق القرية البحرية نقّطه الواقعة غربّيها والبعيدة عن أعين الرقباء والجواسيس وكل الفضوليين ، حتى الضباط الأتراك كانوا ينزلون في صفاقس ، ومن هناك يوجهونهم خفية إلى نقّطة ، فيركبون البحر في طريقهم إلى ليبيا . وإثر حوادث الزلاج ومن غير أن يكون مسؤولا عن هذه الحوادث مباشرة ، فقد ساهم بفضوله في خلق حالة فكرية تؤيد هذه الاضطرابات ، وامتزج بأحداث الترمفاي ، فنفي من تونس في شهر آذار ( مارس ) 1912 ، فسافر إلى فرنسا مع علي باش حانبة ، ومحمد نعمان ، ومنها إلى إستانبول ، ثم عاد إلى فرنسا ، وفي مدة إقامته بفرنسا اتصل هو وعلي باش حانبة بالأوساط السياسية والفكرية ، فتألفت لجنة لدراسة المسائل الوطنية في البرلمان برئاسة الوزير السابق « جورج لييج » . ثم رجع إلى تونس بعد طرح قرار النفي . وقامت أكاديمية آستريه بدراسة واسعة عن مستقبل العلائق بين فرنسا والمستعمرات ، وتألفت جمعية « أصدقاء المعمرين والأهلين » في البلدان المحمية ، « وجمعية الاتحاد الفرنسي الأهلي » وبدأت بعض الأصوات الفرنسية ترتفع ضدّ الحكم في المستعمرات . وعاد إلى تونس والحرب العالمية قائمة ، ولما انتهت الحرب ارتأت نخبة من رفاق علي باش حانبة البدء بعمل سياسي منظم . وعقد أول اجتماع في نيسان ( أفريل ) 1919 حضرة ثلاثون مندوبا من المسلمين وثلاثون من اليهود ، وظهرت في المناقشات خلافات في الآراء والمترجم له يقود المتشددين المطالبين بدستور وحكم ديمقراطي والقائلين باستعمال كل الوسائل الدعائية لبلوغ الهدف ، والأعضاء اليهود وبعض المسلمين يقتنعون بالحصول على إصلاحات تدريجية ، ولعدم حصول الاتفاق عقد اجتماع ثان تخلف عنه اليهود ، وانبثق عن هذا الاجتماع ميلاد الحزب الحر التونسي في سنة 1919 بقيادة المترجم له وأحمد الصافي وحسن قلاتي ( بالقاف المعقدة ) . وأوفد الحزب الأستاذ أحمد السقا إلى باريس لعرض المطالب