يوسف المرعشلي
737
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الزعيم السياسي ، والخطيب الساحر ، والكاتب المفكر ، والمصلح الإسلامي ، والمؤرخ . أصله من أسرة جزائرية هاجرت إلى تونس بعد الاحتلال . ولد بتونس ، ونشأ في كنف جده الذي شارك في المعارك ضد الاحتلال الفرنسي ، وكان جسمه لا يخلو من أثر الجراح . ودخل المترجم له الكتاب فحفظ القرآن ، وأتم الدراسة الأولية في البيت على مدرس خاص ، فقرأ النحو والعقائد وشيئا قليلا من الأدب ، ثم دخل مدرسة باب سويقة الابتدائية ، ثم التحق بجامع الزيتونة ، ومن أشهر شيوخه العلامة الشيخ سالم بوحاجب ، كما تابع دروس المدرسة الخلدونية ، ومن أبرز أساتذته فيها أبو النهضة البشير صفر ، وبارح جامع الزيتونة قبل إتمام الدراسة والإحراز على شهادة التطويع . وفي سنة 1907 عمل في حزب الزعيم علي باش حانبة ( الشباب التونسي ) ، وكتب في جريدتي « المبشر » و « المنتظر » فعطلتهما الحكومة ، ثم أصدر جريدة « سبل الرشاد » التي عطلتها الحكومة بعد سنة من صدورها ، وأصدرت قانونا قيدت به الصحافة ، وبعد تعطيلها سافر إلى مصر سنة 1901 ، وهناك التقى بالشيخ محمد عبده والشيخ محمد رشيد رضا وجلس في حلقتيهما ، وتأثر بدعوتهما في الإصلاح الديني والاجتماعي . قال العلامة المرحوم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور : « وبلغ السيل الزبى سنة 1320 / 1901 لما ظهر بمدينة تونس شاب كان من طلبة جامع الزيتونة والخلدونية المنقطعين للشيخ سالم بوحاجب والأستاذ البشير صفر . أصدر جريدة سماها « سبل الرشاد » ولم يلبث أن عطلها وسافر إلى الآستانة ومصر ، وعاد منهما غريب الشكل والنزعة والمنطق والقلم ، يتكلم بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ، ويعجب بالكواكبي وحسن حسني الطوبراني وعلي يوسف ، ويدعو إلى التطور والحرية وفهم أسرار الدين وأسرار الوجود ، ويغري بمقالات الحكماء والطبيعيين ، ذلك هو الشيخ عبد العزيز الثعالبي الذي لم يكد يرجع من مصر حتى أحاطت به هالة من أهل العلم والأدب وأصبحت ألزم له من ظله ، فكان ينتقل بهم في مجامع العاصمة ناديا سيارا مأخوذين بحلاوة تعبيره وفصاحة منطقه وقوة عارضته ومقدرته على تحليل المواضيع استرسالا بلا ملل ولا فتور ، وبدأ الناس يلتقطون من كلامه سقطات في مسائل الخلاف بين الصحابة والأولياء والكرامات ، ويشيعونها على وجهها أو على غير وجهها حتى بلغت أسماع كبار الشيوخ الناقمين على التطور ، فأثارهم ثورة أدمجت الخلدونية و [ مجلّة ] المنار والثعالبي ، وتقدمت دعوة إلى النيابة العمومية ، وجرت المرافعات ، والرعاع يترصدون الثعالبي في ذهابه إلى المحكمة ورجوعه يهاجمونه بالسب والأذى ، ثم حكم عليه بالسجن ، فكان أول مظهر لتمييز الحركة الجديدة وإقامة الفوارق بين مناهج التفكير السابقة ، وكان ذلك عاملا على تكوين عطف الكثيرين عليه وتقوت الحركة الإصلاحية به وبنكبته » . وفي سنة 1328 / 1910 أسس جمعية تمثيلية اسمها جمعية الآداب ، ثم أسس جمعية أخرى « جمعية الشهامة العربية » . في سنة 1903 ، زار الجزائر والمغرب ورجع إلى تونس سنة 1904 ، ولم يتردد في مهاجمة الأولياء في الأماكن العامة ، وهذا الموقف حاكمته من أجله محكمة الدريبة بشهر سجنا ، وبعد خروجه من السجن التحق بحزب الشباب التونسي الذي كان في حالة تكوين ، ولم يلبث أن أصبح من أعضائه الأكثر نشاطا . وعند رجوعه من المشرق كان الجو السائد في البلاد لدى القادة والصحفيين هو التنويه بمهمة فرنسا التمدينية في البلاد ، وتقديم المطالب إلى السلطة الاستعمارية في استحياء وتذلل ، فبدل المترجم له اللهجة فكان طالب حق قوي اللهجة لا تملق فيها ولا استخذاء ، ولنعلم أسلوب القادة إذ ذاك - في مخاطبة الاستعمار لنرجع إلى ما قاله الأستاذ البشير صفر في سنة 1906 في الاحتفال بمناسبة تدشين التكية بمحضر المقيم العام ، فقد أشاد بعمل فرنسا التمديني ، ولمح في استحياء إلى ضرورة إجراء الإصلاحات الكفيلة بتخفيف بؤس الشعب التونسي مع أن الشعب بلغ في تلك الفترة حدا كبيرا من البؤس والفاقة ، وقد اعتبر هذا الخطاب ضربا من الجرأة فلقي تأييدا من المهتمين بالسياسة كما هاجمته هجوما عنيفا جريدة « تونس الفرنسية » لسان حال المعمرين دعاة التفرنس والإدماج . والإشادة بعمل فرنسا التمديني لم يسلم منها