يوسف المرعشلي
728
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وأكب على مطالعة كتب السادة الصوفية خصوصا كتاب « إحياء العلوم » للإمام الغزالي ، وكان مع اشتغاله بالعلم والطريق يتعاطى صنعة البصم المسماة ( بالبصمجي ) إلا أنه لم ينجح فيها فاضطر إلى تركها ، وصار سيدي الوالد يرسله في تجاراته إلى مكة في بعض السنين ، وفي سنة 1306 باع داره الكبيرة التي هي في محلّة الجلوم الكبرى في شارع الصليبة وهي من الدور العظام في هذه المحلة إلى الشيخ مصطفى الهلالي ، وقد وقفها الشيخ مصطفى على بناته ، وقد كانت آلت إلى سيدي العم بالإرث عن والده ، وبالشراء من أخويه وشقيقته ، ثم إنه أخذ بثمنها تجارة إلى مكة وذلك سنة 1307 وسنة 1308 ، ففي هذه السنة حصل هناك مرض الكوليرا كما حصل في السنة التي قبلها ، وأصيب به سيدي العم وتوفي هناك في السابع عشر أو الثامن عشر من ذي الحجة ودفن في المعلا . ولما عدت من مكة مع سيدي الوالد إلى حلب وذلك في ربيع الأول سنة 1308 كان سيدي العم معنا ، ونزلنا جميعا في جدة وقعدنا فيها 45 يوما تنتظر مجيء سفينة تقلنا إلى بيروت أو الإسكندرونة ، وكان هناك تاجر قاطن فيها يقال له الشيخ محمد مراد الطرابلسي من أهالي طرابلس الشام ، وكان من أهل العلم والفضل وبينه وبين سيدي العم وسيدي الوالد مودة تامة وصحبة أكيدة ، فكانا أثناء إقامتنا في جدة يزورانه في كثير من الأوقات ، وكنت أذهب معهما ، فكان هو وسيدي العم يتطارحان المسائل الفقهية والأدبية ويأخذان في المناظرة ويطول الجدال بينهما ، فكان يتراءى لي وأنا صغير أن الحق تارة يكون مع السيد الطرابلسي وتارة مع سيدي العم ، وأنهما في حلبة السباق فرسا رهان ، ويتبين جلالة فضلهما ودقة نظرهما وسعة مداركهما وغزارة مادتهما ، ولم يطل تمتعي بسيدي العم لأنه عاد في هذه السنة إلى مكة وتوفي بعد نزوله من عرفات كما تقدم . وأجازه الشيخ مصطفى الهلالي الدار عزاني بالطريقة القادرية الخلوتية وخلّفه ، ولذا كان حينما يحضر مجالس الذكر عنده يلبس العمامة المسماة ( بالعرف ) ، ويلبسها في أيام العيد ، ولا يلبسها إلا من كان مخلفا مأذونا له بإقامة الذكر ، إلا أن سيدي العم لم يتسن له أن يتخذ له زاوية يقيم الذكر فيها ويتصدى للتسليك في الطريق والإرشاد . وأجازه أيضا بالطريقة الرفاعية الشيخ أحمد الحريري الرفاعي الآخذ عن والده الشيخ عمر الحريري المشهور بإجازة طويلة محررة سنة 1285 وخلّفه وأذن له أن يبايع ويعاهد لمن كان فيه أهلية لذلك على حسب عادة أهل الطريق . وأجازه بالطريقة البدوية الشيخ طه بن الشيخ مصطفى بطيخ الأحمدي . وأخذ الطريقة القادرية أيضا عن الشيخ محمد غازي النسيمي القادري ، الآخذ عن والده الشيخ محمد شاكر الخوجكي ، وأجازه بإجازة طويلة عليها خطوط مشايخ الطريق في عصره ، وأجازه المذكور بالطريقة الرفاعية والبدوية والدسوقية والشاذلية والبكرية والخلوتية . وأجازه بالطريقة الشاذلية والبدوية والنقشبندية مفتي حلب أبو الرضى السيد محمد بهاء الدين الرفاعي بإجازة طويلة محفوظة عندي ومما جاء فيها : ( هذا وقد التمس مني العبد الصالح والنجيب الفالح الناسك المتعبد والصالح المتهجد الشيخ عبد السلام ابن المرحوم الشيخ هاشم أفندي الطباخ ، فاستخرت اللّه الذي لا إله سواه ، والتجأت بالقلب والقالب لباب علاه ، فانشرح صدري لذلك مع علمي بأني لست أهلا لما هنالك ، فأجبته لما سأله راجيا من اللّه سبحانه المعونة والتوفيق لي وله ، وسائلا من فضل اللّه وإحسانه له التوفيق إذ هو بالاستخلاف حقيق ، ومن خلاصة أهل الزي والزيق في الطرائق الثلاث الشاذلية والنقشبندية والبدوية الأحمدية ، فنهضت على قدم المبادرة ونظمته في سلك هذه العصابة الفاخرة ، واستخلفته في الطرائق الثلاث الشاذلية والنقشبندية والأحمدية ، وجعلته إماما قائدا أزمة فضائلها العلية ( إلى أن قال ) : وأذنت له أن يأخذ العهد على من شاء من طالبي السلوك فيها ، ويعاهد فيها من يراه من أهليها ، كما استخلفني وبايعني وأجازني أشياخي تلقيا منهم وأخذا عنهم ، كما هو مشروح في « عقد الجواهر في سلاسل الأكابر » للسيد العارف بربه سيد محمد عقيلة رضي اللّه عنه ثم ذكر سنده في الطريقة الشاذلية من غير طريق سيدي محمد عقيلة ، وأطال في ذلك ، ثم قال : وقد جرت عادة أئمتنا أن يخصوا الخليفة بحديث مسلسل فها أنا أذكر الحديث المسلسل بالمصريين ، وهو حديث البطاقة ، وهو أرجى حديث يوجد في كتب الستة لما اشتمل عليه من البشارة ، ثم ساق سند