يوسف المرعشلي
662
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن علي رضي اللّه عنهما . ولد سنة 1320 ه في قرية الطيبة من قرى حوران ، لأسرة ريفيّة تعمل في الزراعة وتعرف بالصلاح والتقوى . توفيت عنه أمه صغيرا قبل سن التمييز ، فأشفق عليه والده وزاد في حنانه وعطفه عليه . نشأ كما ينشأ أطفال القرية ، وتعلم في ( الكتّاب ) مبادئ القراءة والكتابة والحساب ، ورافق والده إلى المسجد لحضور دروس الوعظ والعلوم ، وكان والده يكثر مجالسة العلماء ويحبهم ، فنشأ المترجم مثله على حبهم وتعظيمهم ورغب في طلب العلم . اشتغل بالأعمال الزراعية البسيطة التي يقوم بها عادة أطفال الريف إلى أن بلغ الحلم ، فرحل به أبوه إلى دمشق ليكون تلميذا عند الشيخ علي الدقر ، فلازمه وتلقى عنه علوم العربية والتفسير والحديث والمصطلح والفقه الشافعي ، وعلوم القرآن الكريم . نبغ من بين الطلاب المتفوقين ، وأحبه شيخه واهتم به كثيرا ، وأسند إليه ثلة من الطلاب الوافدين الجدد لتعليمهم ، فصار شيخ حلقة على الاصطلاح القديم . وجعل يوفده كل سنة في شهر رمضان مع من يوفد إلى المناطق القريبة والبعيدة ، ليقوم بالوعظ والإرشاد والنصح والتدريس والخطابة ، مما ينتج عنه قدوم طلاب جدد إلى الشيخ علي في دمشق . تردد بتوجيه شيخه إلى حلقات المحدّث الشيخ بدر الدين الحسني ، فقرأ عليه أمهات الكتب في النحو والمنطق والتوحيد والحديث . وفي سنة 1352 ه زار الشيخ عليا الدقر وفد من حيّ الميدان الفوقاني ، وكان حيّهم بحاجة إلى عالم يتولّى التدريس والإمامة الثانية في جامع الدقاق أكبر مساجد المنطقة ، وطالبوه بمساعدتهم على ذلك ، فاختار لهم الشيخ عبد الرحمن ليقوم بالمهمة خير قيام ، وسكن في بيت ملاصق للجامع ليتفرّغ لعمله ، وبقي مقيما هناك حتى توفي . وكان بالإضافة إلى عمله هذا يتولّى التدريس في جامع شيخه جامع السادات بسوق مدحة باشا ، والذي تحول طلابه فيما بعد إلى مدرسة نظامية باسم معهد العلوم الشرعية التابع للجمعية الغرّاء في جامع تنكز بشارع النصر اليوم ، فكان الشيخ عبد الرحمن أستاذا فيها ، يدرّس التفسير وعلوم القرآن الكريم ، والحديث ومصطلحه ، والنحو والصرف . وبعد أن ترك التدريس عام 1960 في المعهد المذكور تفرغ للإقراء في جامع الدقاق ، فأقبل عليه الشباب من طلاب المرحلة الثانوية والجامعة ، فنظّمهم في حلقات علمية تربوية ، وأقرأهم ضمن منهاج واضح العلوم الشرعية والعربية ، وكان معظمهم من أبناء الحي ، وإن كان قليلون منهم يأتون من أماكن بعيدة . كانت صلته بالطلاب طيبة جدا ، أحبوه كل الحب ورغبوا فيه وفي دروسه كل الرغبة ، واستبقوا إليها منذ الفجر وحتى ما بعد العشاء الآخرة ، إذ كانت غالب حلقاته بعد الفجر وبعد العصر وبعد العشاء . اتخذ مع التلامذة أسلوب اللطف والتشويق والتوجيه ، فهو يقصّ عليهم خلال الدروس قصص الصالحين الذين عاصرهم ورآهم ، أو سمع بهم من أساتذته وشيوخه ، ويسوق الحوادث والقصص التي تثير في أنفسهم الرغبة في العلم وأهله ، وتوقظ في قلوبهم الأخلاق الحسنة . ويمزج الدرس أحيانا ببعض النوادر والفكاهات التي تجري له مع العامة ، حتى يجعل الحلقة في غاية الأنس والفائدة . ولم يكن يتكلّف بين طلابه ، أو يتصنّع ما ليس فيه ، بل كانوا يحسون أنه معهم على غاية البساطة ، يحترمهم ولا يناديهم بأسمائهم المجردة ، وإنما يقول سيّد فلان وسيّد فلان يحترم كبيرهم ويلاطف صغيرهم . ويتبسّط معهم في الكلام ويستمع إليهم ، ويسأل عن غائبهم ، ويعود مريضهم . وكانت طريقة تدريسه غاية في الإتقان ، يبسّط العبارة للطلاب ، ويشرح الغوامض ، لا يدع فكرة قبل أن يجلوها ويدرك أنهم فهموها تمام الفهم ؛ لأن فهم صفحة واحدة في كتاب صغير خير من المرور على أي كتاب مرورا غامضا ، فالعبرة عنده ليست بعدد الصفحات بل بمقدار ما استفيد من القراءة . فعند ما كان يقرر « ألفية ابن مالك » مثلا ، أو « شرح جوهرة التوحيد » أو غيرهما من المتون المنظومة ، يبدأ مع طلابه بقراءة المتن إنشادا من أوله حتى الموضع الذي وصل إليه الدرس الأخير ، يفعل ذلك في كل