يوسف المرعشلي
663
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
درس ، فيكون قد أعان الطلاب على حفظ المتن وضبطه دون تكلّف ، وهذا لا يكلّفه سوى دقائق قليلة ، فلا ينتهي الكتاب المشروح إلا ويكون المتن محفورا في أذهان الطلاب حفرا . ولم يكن يقصر تعليمه على الطلاب الواعين ، بل كان يقصد إرشاد العوام ، ولا يضيق بهم مع مضايقتهم له وإزعاجاتهم الكثيرة في الليل والنهار ، وأسئلتهم السخيفة ، بل يتحمّلهم ويستمع لهم ويصبر على سخافاتهم . وعلى طريقة شيخه وجّه طلابه إلى زيارة القرى القريبة والبعيدة ؛ ليرشدوا الناس إلى أساسيات الدين في العقائد والعبادات ، فكانوا يخرجون جماعات كل يوم جمعة للوعظ والخطابة والنزهة ، وربما خرج معهم فيكون بينهم مثالا للمربي العملي ، ينبّههم على أشياء تنفعهم في مناسباتهم وخلال تصرفاتهم . وتردّد الطلاب إلى جامع الدقاق ، وكثرت الدروس والحلقات وخاصة في الفترة الأخيرة من حياته حينما اشتد عليه المرض ، واشتكى من آلام القلب يتخذ لها الأدوية المسكنة ، ولم يمنعه مرضه من مزاولة العلم والتوجيه والتدريس ، والقيام بمسؤولياته ، وبقي كذلك حتى وفاته . ولم يترك زيارة العلماء والمعارف وحضور دعوات الوجهاء التي كان يرى فيها مناسبة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأسلوب لطيف ، وهكذا حتى غدا في الميدان الفوقاني من العلماء القلة البارزين الذين يشار إليهم . أحب العلم والعلماء ، وعدّ نفسه طالبا للعلم يأخذ منه حتى آخر حياته ؛ ولذلك فقد اتجه همه مع تقدمه في السن إلى حفظ القرآن الكريم ، والحرص على حلقات القراء ، فاستدرك ما لم يحفظه منه ، ورأى لذلك أن يرتبط بحلقة تشجعه وتعينه وتلزمه ، فجعل يتردّد إلى الشيخ عبد الوهاب دبس وزيت يقصده من الميدان حتى منزله في حي العقيبة لا يرى أية مشقة أو غضاضة في ذلك ، بل يحدّث عنه مفتخرا به في المناسبات ، وقد أتم حفظه قبل سنوات قليلة جدا من وفاته . أحب النبي صلى اللّه عليه وسلم والسنّة النبوية ، ومن أقواله التي كان ينبّه إليها الطلاب : « لا يتبادرن إلى ذهنكم أنّ السنة هي عكس الفرض ، وأنها بمنزلة الزيادة من العبادة ، بل يجب الحفاظ على السنن دوما » . كان المترجم غاية في اللطف والمعاملة الحسنة لأولاده ولطلابه الذين كانوا كأولاده ، ولأهل بيته وجيرانه ، يتفقدهم جميعا ، ويستمع لهم ويهتم بما يقولون . دائم البشر للناس ، مبسوط الأسارير ، تلوح أمارات الإيمان على محياه ، وقلما رآه الناس منقبضا أو مقطب الجبين . يقضي حاجات أهله بنفسه ، مع أنه لو شاء لاستخدم تلامذته كلهم ، وهم يودّون أن يتفانوا بخدمته ، ولكنه لم يمكنهم حتى من تقبيل يده . يتجول في السوق لينتقي بنفسه الخضار والفاكهة ساعة الضحى رياضة من جهة ، وليقوم بحاجة بيته من جهة أخرى ، فكان بعمله هذا وسعيه مثالا للتواضع يحتذي فيه بالنبي صلى اللّه عليه وسلم : وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان : 7 ] . كان رجلا ربعة إلى القصر أميل ، مملوء العود ، ناضر الوجه ، يتلألأ وجهه نورانية وبهاء ، يعتم بعمامة صفراء ( لام ألف ) من القماش المعروف ( بالأغباني ) على طربوش أحمر وجبة ، وكان في بدء طلبه العلم اعتم بعمامة بيضاء . وهو حسن الثياب يهتمّ بها ولا يهملها . وكان مرشدا محبوبا ، ومربيا خبيرا ، همه أن يسلك الشباب في طرق الخير النافعة ، ينصح لمن لا يعرف منهم في المجالس العامة فيقول للشاب إذا لقيه : « أنا لا أريد منك أن تأتي إلينا ، ولكنني أريدك أن تطلب العلم على شيخ عارف » . وكان لا يقصر في النصح لمن حوله ، يأمر وينهى في كل مجلس وأينما حلّ ، عند الحلاق أو أمام بائع الخضر أو في الطريق ، وقد أوتي في النصح أسلوبا وفي الحديث طريقة غاية في اللطافة لا ينفر منها أحد . كان عند الحلاق مرة ينتظر دوره ، فرأى بين الجالسين رجلا من العوام ( زكرتيا ) يزين أصبعه بخاتم ذهبي ثمين ، فنصح له ، وبيّن أن الذهب حرام على الذكور ، فقال الرجل معاندا : وما ضرر أن يستعمله الرجال ، هذا غير منطقي ، ما الحجة في ذلك ؟ فقال الشيخ : الذهب زينة ، والمرأة عندما تتخذه لتتزين ترغّب