يوسف المرعشلي

657

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

مكتب رشدي ، وصار يحثّ الناس على تعليم أبناءهم وإخراجهم من هذا الجهل الفاشي فيهم ، فصار الناس من ذلك الحين يرسلون بأبنائهم لهذا المكتب ، وفشت فيما بينهم القراءة والكتابة بعد أن كانت الأمية غالبة فيهم . وكان مع تلك الهمة آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر ، وربما سعى وهو في الرقة في إزالة المنكر بيده ، وذلك لما صار له هناك من الكلمة النافذة والقول المسموع ، ولما في قلوب الأهالي من المحبة له ، لما وجدوه فيه من الاستقامة والزهد فيما في أيديهم . كان يتردّد في أثناء تلك المدة إلى حلب لزيارة أقاربه وأحبابه ، فكنت أزوره ويزورني ، لما بيني وبينه من الصداقة المحكمة والمودة الخالصة من عهد الآباء والأجداد ، بل ولما بيننا وبينه من نوع القرابة ، فإن أخاه الشيخ عارف الذي لا زال حيا إلى الآن كان متزوّجا ببنت عمتي الحجة عائشة ، وأذكر أنه في إحدى قدماته صادف أن عقد عقدا لبعض أقاربنا في قاعتنا الكبيرة في دارنا في محلة باب قنسرين ، وحضر هذا العقد الجم الغفير من العلماء والفضلاء والوجهاء ، وكان المترجم ، فخطب خطبة النكاح وهي من إنشائه الحسن ، فكان لها تأثير عظيم في النفوس وكان لها رنة استحسان ، والكثير من الناس يتذكرونها إلى الآن . ولم يزل على طريقته الحسنة وحرمته وإجلاله عند أهالي الشهباء والرقة إلى أن توفي هناك ليلة السبت سلخ شهر ذي الحجة سنة 1336 ، وخرج لتشييع جنازته معظم أهل الرقة الرجال والنساء والأطفال ، ودفن بالقرب من مقام أويس القرني رحمه اللّه تعالى . ولما جاء نبأ نعيه إلى حلب أسف عليه جميع عارفي فضله وكريم أخلاقه . كان مربوع القامة إلى الطول أقرب ، بدينا ، مستدير الوجه أبيضه ، كث اللحية ، نيّر الشيبة ، دائم البشاشة ، يبدو البشر على أسارير وجهه ، محبوبا لدى الحكام والوجهاء ، مقبول الشفاعة لديهم . وله من المؤلفات : - رسالة سماها : ( النافجة المسكية في الظباء الهندية ) . حقّق فيها مسألة الروح واختلاف العلماء فيها تحقيقا جميلا . - رسالة في التقاء الختانين سماها ( الإكسال في حديث الإنزال ) وهو : « إنما الماء من الماء . - عدة خطب منبرية ملتزما ذكر الفروع الفقهية والمواعظ الحكمية . - عدة خطب في عقود الأنكحة منها الخطبة التي ألمحنا إليها ، ولولا طولها لأتينا عليها برمتها . وبالجملة فقد كان من محاسن الشهباء ومن جملة مفاخرها رحمه اللّه تعالى . عبد الرحمن الخطيب « * » ( 1289 - 1359 ه ) الصوفي ، المحدث ، الفقيه الحنفي : عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الرحمن بن صالح بن عبد الرحيم بن محمد الخطيب الحسني الدمشقي . ولد بدمشق سنة 1289 ه ، وحفظ القرآن الكريم صغيرا . لازم علماء عصره ، كالشيخ بكري العطار ، والسيد محمد أبو النصر الخطيب ابن عم والده ، والشيخ يوسف النبهاني . وأخذ الفقه الحنفي عن مفتي الشام الشيخ محمد عطا الكسم . وروى عن الشيخ أحمد بن مصطفى العمري نزيل القسطنطينية . أخذ الطريقة عن الشيخ علي نور الدين اليشرطي ، والشيخ صالح الأزبكي القادري ، والشيخ أسعد الأربيلي الكردي ، وأخذ الطريقة الرشيدية عن الشيخ محمد الدندراوي . تولى سنة 1308 ه الإمامة في الجيش بعد أداء امتحان ، ثم نقل لإمامة المدارس الحربية في الآستانة ، ثم تولى مأمورية الإعاشة ، فقام بها بعفة وأمانة . ثم عيّن إماما في مركز الجيش الخامس بدمشق ، ثم نقل إلى عكا ، فأحيا هناك مكتبة الجزار . ثم سافر إلى سيروز في البلقان ، ومنها إلى أشتيب . ثم نقل إماما إلى المدارس الحربية في الآستانة مرة أخرى .

--> ( * ) ترجمة بقلم الأستاذ محمد رياض المالح ، ومقابلة مع الشيخ عبد العزيز الخطيب ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 3 / 143 - 145 .