يوسف المرعشلي

656

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

الشهباء بعلمه وجرت ذيل الفخار بفضله إلى أخلاق كريمة وشمائل حسنة . ولد رحمه اللّه تعالى في محلة الفرافرة في حدود سنة ألف ومائتين وسبعين ، ولما بلغ من العمر ثمان سنين توفي والده ، وذلك في سنة ألف ومائتين وثمانية وسبعين كما تقدم في ترجمته . كان قد حفظ القرآن وجوده على المقرئ الشهير الشيخ شريف ، ثم خرج من المكتب وسنه إحدى عشرة سنة ، وجاور في المدرسة العثمانية مشتغلا بتحصيل العلوم ، فأخذ عن العلامة الشيخ أحمد الزويتيني مفتي حلب ، وتلقّى الحديث عن تلميذ والده الشيخ عبد القادر الحبال وأجازه بمروياته عن شيخه والد المترجم ، ولذا كان المترجم بعد ذلك إذا حدث يقول بسندي عن الشيخ عبد القادر عن شيخه والدي الشيخ أحمد عن شيخه فلان إلى أن يصل إلى الإمام البخاري رضي اللّه عنه ، وأخذ أيضا عن الشيخ الكبير الشيخ أحمد الترمانيني ، والشيخ أحمد الكواكبي ، وغيرهم من فضلاء عصره . وقبيل الثلاثمائة وألف توجّه إلى مصر فجاور في أزهرها ثلاث سنين تقريبا ، وصادف وقتئذ احتلال الدولة الإنكليزية للديار المصرية ، وكان رفيقه وقت المجاورة الشيخ عبد الحميد الرافعي الذي تولى قضاء حلب سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة وألف ، والشيخ محمد العبيسي الحموي الذي تولّى إفتاءها ، والعلامة الشيخ محمد الحسيني الطرابلسي صاحب التفسير الذي طبع منه الآن جزء واحد . وفي حدود الثلاثمائة سافر إلى الآستانة ، وحلّ ضيفا كريما في منزل الشيخ أبي الهدى أفندي الصيادي الشهير ، فأكرم مثواه ، واتفق له وهو هناك أنه كان يتجول يوما في شوارع الآستانة ، فساقته التقادير إلى سراي السلطان مراد رحمه اللّه فرآه بعض الخفراء الواقفين هناك فمشى نحوه خطوات وأخذ بيده وكلّفه بالرجوع من الحرم إلى الحل وقال له : لو رآك غيري لكنت طعمة للحيتان ، ولكني رأيت زيك زي أهل العلم ، وعلمت أنك غريب الأوطان ولا تدري ما هو هذا المكان ، فإياك أن تعود إلي هنا . فكرّ راجعا وقد امتلأ قلبه فزعا وفرقا ، لأنه كان عالما بما كان عليه السلطان عبد الحميد من السطوة والبطش . ثم إن الشيخ أبا الهدى شوّقه إلى السياحة والرحلة إلى البلاد الهندية بقصد نشر الطريقة الرفاعية هناك وحسّن له ذلك ، فأجابه إلى ما طلب ، وأخذ عنه الطريقة وسافر قاصدا تلك البلاد الشاسعة ، ولما وصلها حاول أن يتوصل إلى غرضه ويقوم بما عهد إليه فلم يتمكن من ذلك ، وذلك لشدة تمسك أهالي الهند بالطريقة القادرية واحترامهم العظيم المجاوز للحد للشيخ عبد القادر الكيلاني ، فأخفقت مساعيه وخابت آمال مرسله إلى هناك ، فعاد إلى وطنه حلب ، فألقى فيها عصا تسياره . وكان قبل سفره وجّه إليه درس الحديث في الجامع الكبير وهو درس أبيه ، فأخذ في قراءته وعيّن خطيبا وإماما في جامع المدرسة الشعبانية ، ومدرّسا عاما في مسجد شاهين بك ، وصار شيخا في مشيخة الزاوية الهلالية بعد وفاة شيخها الشيخ بكور الهلالي رحمه اللّه وكالة عن الشيخ عبد القادر الهلالي ابن الشيخ بكور إذ كان صغيرا وقتئذ . وصار يقرئ دروسا نحوية وفقهية وغير ذلك . فلتقّى عنه الشيخ عبد الرحمن أبو قوس ، والشيخ مظهر أفندي الريحاوي الذي تولى القضاء في عدة أقضية من معاملات حلب وصار في أواخر حياته مستشارا في المحكمة الشرعية في حلب ، والشيخ زكي أفندي الكاتب قاضي منبج الآن ، وغيرهم . وفي سنة عشر وثلاثمائة عيّن مفتيا للرقة من معاملات حلب ، فتوجه إليها ، ولما وصلها واستلم زمام وظيفته وجد أهلها على غاية من الجهل في أمور دينهم ودنياهم ، فنشر العلم هناك ، وصار يقرأ دروسا عامة ويعظ الناس ويحثهم على إقامة الصلاة إذ كان القليل فيهم من يؤدّيها لفرط جهلهم ، فلم تمض مدة وجيزة إلا وصار غالب أهاليها يقيمون الصلاة حتى النساء ، فصدق عليه حديث « لأن يهدي اللّه بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم » . وأقرأ هناك كتاب « الموطأ » للإمام مالك . والخلاصة إن الأهالي هناك انتفعوا به مزيد النفع إذ قد طالت مدته فيهم ، وسعى في تلك المدة ببناء جامع واسع يشتمل على عدة حجرات ، وبني بناء حسنا بحيث لا يوجد في البلدة بناء أجمل ولا أحكم منه ، وسعى ببنا