يوسف المرعشلي

587

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

عبد اللّه المنجّد « * » ( 1288 - 1359 ه ) شيخ قرّاء العشر الكبرى بمضمّن الطيّبة والنشر : عبد اللّه بن سليم بن عبد اللّه ، المنجّد ، الدمشقي ، الشافعي ، أبو الحسن . ولد في دمشق أواخر سنة 1288 ه ، ونشأ في بيت تجارة وعلم ، وكان والده الذي يحب العلم والعلماء والأولياء ، رأى في نومه وامرأته حامل أحد الصالحين يقول له : إنه سيرزق بمولود ، وسيكون شيخ القراء ، وأمره أن يسمّيه عبد اللّه . فلما ولد المترجم ابتهج به أبوه غاية الابتهاج ، ثم لما شب سعى به إلى شيخ قراء دمشق آنذاك الشيخ أحمد الحلواني الكبير ؛ الذي ردّه بعد مدة - لأمر يريده اللّه - قائلا لأبيه : إنّ ابنه هذا ليس متأهلا ليضبط القراءة ولا يقتدر عليها ، فحزن أبوه حزنا شديدا ، وشكا حاله إلى الشيخ عبد الرحيم دبس وزيت . فقال له : « أنا أقرئه فابعثه إليّ » . وفتح اللّه على الطالب الصغير ، ولما ضبط عليه القراءة دفعه إلى أبيه وقال : « الآن فاذهب به إلى الشيخ الحلواني » ، فذهب به ، فلما سمع قراءته دهش وتعجب . وحفظ القرآن الكريم أيضا على الشيخ الصوفي محمد الشرقاوي المصري ؛ نزيل المدرسة الباذرائية ، ثم انتقل إلى مجلس الشيخ المقرئ أحمد دهمان ؛ فحفظ عليه « الشاطبية » ، وقرأ عنده ختمة بمضمنها ، ثم حفظ « الدرة المضيئة » ، وأعاد ختمة عليه أيضا بمضمن « الشاطبية » ، و « الدرة » بسنده إلى الأستاذ المقرئ الشيخ أحمد الحلواني الكبير ؛ شيخ القراء بدمشق بالعشر الصغرى . وطلب العلوم الدينية على علماء عصره : فدرس العلوم العربية والتفسير والحديث والفقه الشافعي على الشيخ بكري العطار ، وأجازه بذلك كله . وقرأ كتب الحديث الستة على الشيخ محمد عطا الكسم ؛ مفتي الشام ، وأجازه بروايتها ، كما أجازه علماء آخرون ، منهم : المحدث الشيخ بدر الدين الحسني . والشيخ عبد القادر القصاب ، والشيخ أحمد البرزنجي ؛ مفتي المدينة المنورة ، والشيخ محمد صالح الآمدي ؛ مفتي الشافعية في المدينة المنوّرة أيضا . وغيرهم . ثم تردّد إلى المقرئ الشيخ حسين موسى شرف الدين المصري الأزهري ؛ نزيل دمشق « 1 » المتوفى ببيروت سنة 1327 ه ؛ فأخذ عنه القراءات العشر الكبرى ، وفرغ من ذلك في شعبان سنة 1314 ه . ولما كان المترجم أول قارىء في دمشق تلقى القراءات العشر الكبرى دون غيره . فقد خلصت له - بعد انتقال شيخه الشيخ حسين - رياسة الإقراء في هذه القراءة ، وبذلك تحققت رؤيا والده فيه وأمله . كان ثقة متقنا ضابطا ، سليم مقاطع الحروف من الحلق واللسان والشفتين وصحة النطق من غير تعسّر ولا تكلف في المخارج . إذا قرأ قرأ بصوت حسن يملأ القلب حنانا وروعة . قراءة عذبة حلوة يستحكم فيها الوقف ، يعرف انتقاء المبدأ ، ويوحي إلى السامع معاني القرآن الكريم ؛ فيجعلها قريبة منه . وجمع إلى علمه الواسع بالقراءات واللهجات حسن الخلق ، ولين الجانب ، وحلاوة المعاشرة ، واحترام العلم والعلماء ، وتخلّق بالقرآن الكريم عملا وفهما . أقبل الناس عليه ، وازدحموا على حلقته بالجامع الأموي يستمعون إلى قراءته . وقرأ عليه كثيرون ، وكان جاهدا أن يعلّم الناس طريقة الطيّبة ؛ ولكن الذي أخذ عنه العشر الكبرى بمضمن الطيبة والنشر اثنان هما : الشيخ توفيق بن راغب البابا « 2 » ، وعبد القادر قويدر العربيلي . توفي يوم الأربعاء غرة ربيع الأول سنة 1359 ه ،

--> ( * ) نقولات شفوية عن الشيخ عبد الوهّاب دبس وزيت ، والشيخ محمد سكّر ، و « دور القرآن في دمشق » : 59 - 67 عبد القادر النعيمي ، تح : صلاح المنجد ، ومجلة التمدن الإسلامي السنة السادسة ج 2 و 3 / 62 ، و « معجم المؤلفين » لكحّالة : 6 / 59 ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 1 / 529 . ( 1 ) وكان الشيخ حسين قد أخذ القراءات العشر الصغرى عن الشيخ متولي شيخ قرّاء مصر الشهير ، وأخذ العشر بمضمن الطيبة والنشر على الشيخ أحمد خلوصي باشا ابن السيد علي الإسلامبولي ؛ الشهير بحافظ باشا في المعسكر العثماني بدمشق عن طريق إسلامبول : فجمع بذلك بين طريقي مصر وإسلامبول . ( 2 ) انتقل الشيخ البابا إلى بيروت فكان شيخ قرائها وتوفي بها .