يوسف المرعشلي

564

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

فيها نفسه لخدمة مصالح المسلمين الدينية والدنيوية والعلمية ؛ فقد كان ركنا في ( جمعية التعاون الخيري ) « 1 » . وساهم في ( جمعية النهضة الأدبية ) « 2 » التي انتفعت بها الكثرة الكاثرة من الشباب الذين كانوا بناة الوطن ورجاله فيما بعد . ثم اشترك في تأسيس ( جمعية الهداية الإسلامية ) « 3 » فكان رئيسها الثاني ، ودعمها بالمال والجاه والكتابة . وتبنّى أمرها . وكان له دور في ( جمعية العلماء ) « 4 » و ( رابطة العلماء ) ، اشترك فيما قامتا به من الأعمال الخيرية ، والمواقف الحازمة التي تغار على الدين وتقف لمن يسيء إليه بالمرصاد ، لا يتوانى عن اجتماعاتهما ، ولا يبخل في التضحية بكل ما يعين على مبادئهما ، يجتمع للمصلحة العامة بالمسؤولين ، ولا يفكر بمصلحة شخصية ولا منافع خاصة . وكان أحد العلماء الكثيرين الذين شاركوا في ( مؤتمر العلماء الأول ) الذي أنهى أعماله ببيان مهمّ شامل . هذه المشاركة في الجمعيات والتعليم والعمل العلمي دعته إلى الحديث والكلام الدائم ؛ فتمكن من ناصية اللغة ، وكان ذا لسان مقوال ، لا يملّ سامعه من حديثه ، وله أسلوب في التحدث خاص ؛ فهو يشعب الحديث ، ويدخل بعضه في بعض ، فينتقل بالمناسبة من قضية إلى أخرى ، ومن مسألة إلى سؤال دون أن يفقد الموضوع حيويته ووحدته . ولعله بهذا متأثر بأسلوب أستاذه المحدث الشيخ بدر الدين . ومع الحديث الأخّاذ وهب قلما سيالا ، يكتب فيه بأسلوب هو الأسلوب السهل الممتنع : فيتناول شتى الأبحاث من توحيد وحديث وفقه وأدب واجتماع واقتصاد . واشترك مع صديقه الأثير عنده الشيخ محمود ياسين في تحرير ( مجلة الحقائق ) الدمشقية ثلاث سنوات ، ولم يكن يوقّع باسمه ما يكتبه زهدا في الشهرة ، ورغبة في التواضع . من تلاميذه الذين لازموه الشيخ إبراهيم الجندلي ( أبو نادر ) ، والشيخ محمود الحبال ؛ إمام جامع العنّابية في باب السريجة ، والشيخ عبد السلام قصيباتي . وفي أخريات حياته بعد ما توفيت زوجته بسنوات طويلة تزوّج ، ثم ترك دمشق ، فسكن في بلدة التل ، وبقي فيها نحوا من سنة ، خلا فيها إلى نفسه وربه يتأمّل ويتعبّد . . ثم عاد إلى دمشق فبقي أشهرا حتى وافاه الأجل . وفي سويعات حياته الأخيرة قام فتوضأ وأسبغ الوضوء ، ثم صلى صلاة تامة خاشعة ، أعقبها بالدعاء الخافت المنيب ، ونهض إلى فراشه فوضع يده على خدّه ، ومال على جنبه الأيمن ، وأسلم روحه في 21 رمضان سنة 1370 ه . أسف عليه أصدقاؤه ومعارفه ، وهرعوا إلى داره فحملوه إلى الجامع الأموي في جنازة حافلة ضمّت حشدا كبيرا من التجار والعلماء الذين شيّعوه إلى تربة الذهبية من مقبرة الدحداح . وقيل إن النعش حينما وصل المقبرة كان آخر المشيعين لا يزالون قريبا من الجامع الأموي . عارف القلطقجي « * » ( 1305 - 1372 ه ) العالم ، الشاعر ، عارف بن سعيد ، القلطقجي الدمشقي . ولد سنة 1305 ه ، وكان مكفوفا يستقرىء من

--> ( 1 ) جمعية التعاون الخيري : اختصت بمساعدة الفقراء والأرامل وتسفير الغرباء المنقطعين وإيواء اللاجئين . ( 2 ) جمعية النهضة الأدبية : اهتمت ببث الثقافة الدينية وتربية الروح الإسلامية وتعليم الأميين ، وتدريس اللغة العربية والأجنبية . ( 3 ) جمعية الهداية : سعى إلى تأسيسها الشيخ محمود ياسين ، وكان رئيسا لها ، لم يكن لها مركز معين ، بل كان أعضاؤها يجتمعون في البيوت ، ثم صار مركزها في جامع لالا باشا بشارع بغداد . ( 4 ) جمعية العلماء : أسسها الشيخ كامل القصاب ضمت نخبة من علماء دمشق ، وكان لها دستور ونظام ، وعنها نجم مؤتمر العلماء الأول . وقد أصدرت الجمعية عددا من البيانات ألزمت فيها الدولة بالانصياع لها ، والتراجع عن بعض القرارات والقوانين ، وسقطت مرة على إثر بيانها حكومة جميل مردم . راجع ترجمة الشيخ كامل القصاب . ( * ) مقدمة الشيخ علي الطنطاوي لكتاب « الجامع لمواضيع القرآن الكريم وآياته » لفارس بركات ، و « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 2 / 648 .