يوسف المرعشلي
541
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الأحسنية ، وقرأت عليه في صباي بعض الرسائل ، ولما منّ اللّه علي بالمثول بين أيدي أئمة الحديث وأخذت عنهم ورجعت إلى الوطن قرأ عليّ « الحصن الحصين » واستجازني ، وتلك مفخرة عظيمة ، لعلّ اللّه سبحانه يتجاوز عن خطيئاتي ويعفو ويسامحني بذلك السبب وللّه الحمد ، وكان يحبني حبا مفرطا ، وزوّجني بابنته خير النساء سنة اثنتين وعشرين وثلاث مئة وألف بعد ما توفيت زوجتي زينب بنت خالي السيد عبد العزيز بن سراج الدين الحسيني الواسطي سنة تسع عشرة وثلاث مئة وألف . كان عاكفا على الذكر والعبادة وأداء الفرائض ونوافل الطاعات ، منقطعا إلى اللّه بقلبه وقالبه ، منصرفا عما سواه ، لا يجد الراحة إلا في الصلاة ، فإذا صلّى الصبح انتظر الظهر وقس على ذلك ، معلّق القلب بالمسجد ، عظيم الخشوع في الصلاة ، طويل القنوت فيها ، قلما رأى الناس مثل صلاته خشوعا وقنوتا وسكينة وابتهالا ، وكانت في بدنه وقدمه رعشة شديدة ، وكان قد علا سنه ، فإذا مشى خيف عليه من السقوط ، ولكنه إذا قام في الصلاة فكأنه سارية نصبت ، لا يميل ولا يتحرك ولا يملّ ولا يتعب ، ربما سمع القرآن في ليلة واحدة وهو قائم لا تضطرب قدمه ، لا همّ له إلا الدين والاستعداد للآخرة ، وقد بسط اللّه له في الرزق وورث عن أبيه قرى وأملاكا ، ولكنه اكتفى من الدنيا ببلغة عيش يتبلّغ بها ، ومال يسير يقتني به كتابا جديدا من كتب الدين ، أو يؤاسي به ذا حق أو صاحب حاجة ، وكانت له اليد العليا دائما ، يضيف أصحابه الذين بايعوه ويكرمهم ، ولا يطوف على أصحابه ومبايعيه مثل كثير من الشيوخ بل يأتونه ويقيمون عنده في غالب الأحوال ، وكان شديد الاتباع للسنة ، شديد الكراهة للبدع ومحدثات الأمور ، قوي الإفاضة على المستفيدين والمسترشدين ، قوي النسبة ، يشعر الذين يجالسونه ويستفيدون منه بحلاوة في الصلاة والدعاء وحب للّه ولرسوله ، وتتغير أحوالهم ، يوالي من والى اللّه ، ويهجر من هجر اللّه ورسوله ، ولا يداهن في دين اللّه أحدا ، ولا يرعى في ذلك حقا وحرمة ، من رآه أو عاشره عرف أن للّه خلقا خلقهم للآخرة وصدّق قوله تعالى : إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ [ ص : 46 ] . توفي لخمس عشرة خلون من ذي القعدة سنة ست وعشرين وثلاث مئة وألف ، ودفن في مقبرة آبائه في الجهة الشمالية الغربية من المسجد .