يوسف المرعشلي

536

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ذاك في دمشق ، وبنى بسعيه مسجدا بمنطقة الأربعين في جبل قاسيون بعد ما شكا أهلها افتقار منطقتهم إلى مسجد ، وكان غالبيتهم من الأتراك . وخلال هذه المدة كان يزور كل حين تركيا ولبنان ، ويستقبل في دمشق الطلاب الأتراك ، يرشدهم ، ويعينهم ، ويوجّههم . وبقي على هذه الحال إلى أن وافاه الأجل . أخلاق المترجم هي أخلاق الصبر والشجاعة والجرأة والوفاء والوطنية ؛ تروى له قصص كثيرة تصوّر كل جانب منها واضحا كل الوضوح ، ينبع من نفس صافية بريئة : وقف مرة في الجامع الأموي تحت السدة أيام الدولة العربية الناشئة يلقي خطبة حماسية ذات طابع سياسي ، ينتقد فيها الحكومة ، ويوجّهها ؛ فأرسل له الملك فيصل ، وطلب منه أن يكفّ عن هذا ، ويهتم بدروسه الدينية ووعظه ، فجابهه المترجم ، وذكّره بموقف عمر بن الخطاب حينما قال له الأعرابي : « واللّه ، لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا » . ووقف في الجامع الأموي أيضا زمن الإضراب الثاني عام 1938 م ، وخطب خطبة من لا تأخذه في الحق لومة لائم ، وهاجم الفرنسيين المحتلين غير هائب من إرهابهم ولا بطشهم ، ولامهم على سرقة أموال الشعب ، وتجويع الناس ؛ فأثّر كلامه في الناس ، فاندفعوا بثورة عارمة ، طافوا فيها شوارع المدينة مما أذهل سلطات الاحتلال ، فأوعزوا لرجال الأمن الابتعاد عن العيون تجنبا للاحتكاك والمصادمة . فاستدعاه مدير الأمن الداخلي آنذاك الكولونيل ( كوتيو ) ، فدخل عليه بجرأة ، وعرض ما يشكو منه الناس ، فلاطفه الكولونيل بعد أن استقبله بجفاء وغلظة ، ووعده بتنفيذ المطالب الشعبية . ومن القصص التي تدل على شجاعته ما حدّث عنه تلميذه الأستاذ محمد خير الدرع : بينما كان المترجم في طريق رجوعه إلى بيته في حيّ السمانة بدمشق إذ رأى رجلا سكران يحمل خنجرا يهدّد الناس ، وهم مبتعدون عنه خائفون منه حائرون ، وقد قطع عليهم الطريق . فما كان منه إلا أن تقدم بخطّى ثابتة نحو السكران ، وقبض بقوة على يده والخنجر فيها ، ثم كلّمه بكلمات أثرت فيه فبكى ، وألقى خنجره ، وانحنى على يديه يقبلهما . ولما قام أخوه حسني الزعيم « 1 » بانقلابه المعروف قال له بصراحة : « إن كان انقلابك هذا لوجه اللّه ولصالح الأمة أسأل اللّه تعالى أن يبارك عملك . وإن كان فيه لوثة أجنبية أرجو اللّه ألا يسدّد خطاك » . فترضّاه أخوه قائلا : « ثق يا أخي أنّه لوجه اللّه ولصالح الوطن » . ويتّضح ثباته وصبره حينما قتل ابنه سعيد الذي كان مع الثوار السوريين ضد فرنسا سنة 1925 م ، وبلغه النبأ وهو يتهيأ لخطبة الجمعة في مسجد صيدا ، فكتم الخبر عن أصحابه ، وارتقى المنبر وكأن شيئا لم يكن رغم ما يعتصر قلبه من أسى ، وصلّى بالناس ، ثم خرج مسرعا ليمضي إلى دمشق صابرا ، يحتسب ولده عند اللّه ، ويشيّعه إلى مثواه الأخير . وصبر أيضا عندما مات ابنه الثاني فوزي الذي أصيب بنوبة قلبية مفاجئة ، فاشترك بنفسه في تغسيله وتكفينه وتجهيزه ، ثم وقف على قبره يؤبّنه بخطبة مؤثرة ، انتقد فيها القائمين على صحة المواطنين في المستشفيات ، وكشف تقصيرهم في رعاية المرضى ، ولم يذهله المصاب الأليم عن النصيحة للمسلمين . ورأينا من قبل كيف صبر لموت والده العزيز ، وكان يحبه ويبره ويسمع لرأيه ، فصلّى عليه بنفسه ، ودفنه في رمال سيناء راضيا . وصبر عندما توفيت زوجته التي يحبّها ويحترمها ، وترقرقت الدموع في عينيه حزنا على رفيقة دهره وأنيسة عمره ، ولم يسعه إلا أن يترحّم عليها ، مدركا الخسارة ، ولم ينس مع حزنه أن يحذّر من حوله من النسوة من النياحة لئلا يسخطن اللّه تعالى . وما أوفاه لأصدقائه يتفقّدهم ويزورهم ، ويسأل

--> ( 1 ) حسني الزعيم : حكم سورية حكما مطلقا مدة 136 يوما ، واعتلى الحكم بعد أن اعتقل رئيس الجمهورية ، ورئيس الوزراء ، وبعض السياسيين ، وفضّ البرلمان ، وتلقّب بالمشير ، وألف وزارة ، وانتخب في آخر شعبان 1368 ه / 26 حزيران 1949 م . أثار سخط العسكريين ، فاعتقلوه ، وقتلوه رميا بالرصاص بعد محاكمة سريعة . « الأعلام » : 2 / 245 - 246 .