يوسف المرعشلي
537
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
عنهم دوما ، ويشاركهم في أفراحهم وأتراحهم ، يخاف أن يسأله اللّه عن صحبة ساعة ، فهو لا يزال يتردّد عليهم بين دمشق وبيروت . حدّث تلميذه الأستاذ محمد خير الدرع أنه أوصاه - وهو طالب في القاهرة - أن يزور رجلا من كبار رجالات مصر أيام الملك فاروق كان التقى به المترجم في الحج ، ليبلغه تحياته ، ويسأل عنه . ومن غريب المصادفات أنّه قبل موته بيوم واحد انسلّ من فراشه رغم ضعفه ومرضه وإخطار الطبيب له ، فسافر إلى بيروت ، وزار أصحابه هناك ، وسأل عن أحوالهم ، وعاد في المساء ليفارق الدنيا عند منتصف الليل . ولم يكن المترجم وفيّا لأصحابه وتلاميذه وحسب ، بل كان ودودا للناس كلهم ، يعامل كل فرد بما يلزم ؛ فمع الجيران حسن الخلق والبشاشة ، وتفقّد المحتاجين ، يعود مريضهم ، ويحترم كبيرهم ، ويوجّه شابهم . يفتح لهم باب بيته مع الفجر يأتون إليه ليصلّوا جماعة ، ثم يجلس بينهم يعظهم ويفقّههم ، ومع الشمس يقدم لهم القهوة ، ينصرفون بعدها إلى أعمالهم بعد أن اجتمعوا على المحبة . حدّث أحد هؤلاء الجيران وكان شيخا في السبعين عاد من المهجر قال : « زرت الشيخ مرة قبل أن يتوفّاه اللّه ببضعة أشهر ، وأنا ضيّق الصدر كثير الهمّ أفكر بالعودة إلى المهجر رغم تقدم سني ، فنظر إليّ رحمه اللّه مليّا ، وكأنه قرأ كل ما يجول في خاطري وقال لي : مالك يا فلان ؟ أراك في حالة غير مطمئنة ، هل اشتقت إلى العودة حيث كنت ؟ فأجبته بدون أن أفكر في سؤاله : نعم واللّه يا سيدي الشيخ . فقال لي : حتما إنّ الذي يمنعك من تنفيذ رغبتك هو قلة المال . فقلت : هو ذلك واللّه . فأشار إليّ أن اتبعني . ونهض يتحامل على نفسه حتى دخل غرفته ، وأخرج من خزانته في ركن من أركانها صرة فيها مبلغ من المال ربما كان هو راتبه بكامله ، وقال لي : خذ هذا المبلغ فهو كل ما أستطيع أن أساعدك به ، استعن به على قضاء حاجتك . فإذا تيسّر لك السفر بعد ذلك وعدت إلى عملك في المهجر ، واستطعت أن تردّه لي فافعل ، حتى لا تشعر بأي غضاضة ، وإن لم تستطع ردّه سامحك اللّه به ، واعتبره هدية متواضعة مني إليك » . وهو مع المساكين والضعفاء يسوق لهم العون بكل أشكاله ؛ رأى مرة رجلا فقيرا يجرّ عربة ثقيلة في سوق مدحة باشا ، وقد عجز عنها ، فما كان منه إلّا أن شمّر عن كميّه ، ودفع العربة معه على أعين الناس كلهم . وكان يسعى مرارا إلى رجل فقير مقعد في حي سوقساروجة يحمل له الطعام ، ويقضي حاجته ، وعلى رجل آخر زاهد يعتزل الناس في جامع المعلق بشارع الملك فيصل بدمشق يؤنسه في وحدته . وللأقارب صلة الرحم والزيارة ، والتفقد ، يتحمّل مشقة السفر على كبر سنّه ليزور إحدى قريباته المتزوجة في مدينة حماة ، ويزور أبناء عمومته في المملكة العربية السعودية يسأل عنهم ويطمئن . وإذا زاروه في بيته هم أو غيرهم من الضيوف أكرمهم وابتهج بهم ، وأحسن إليهم . وهذا الخلق الكريم أثار فطرة زوجة ابنه عدنان الأرجنتينية التي ما لبثت بعد قدومها إلى دمشق أياما حتى تفهّمت الدين الإسلامي الصحيح منه ؛ فأسلمت . وكان مضيافا لا يكاد يخلو بيته ليلا أو نهارا من ضيف ، ولقد أطاعته زوجته في أسلوبه هذا ، بصبر ورضا لتساهم معه في إكرام الضيوف . أما مع طلاب العلم فبالتوجيه والتعليم ، وقد اهتم بالطلاب الأتراك الوافدين إلى دمشق ، فكان يعينهم ويكرمهم كثيرا ، وخاصة الفقراء منهم ، ويساعدهم بشكل لا يمسّ فيه شعورهم ، كأن يكلّف أحدهم مثلا سقاية أصص الأزهار ، ثم يعطيه فيفرحه . وكان الطلبة الأتراك يحترمونه ويقدّرونه ، خصوصا لأنه كان يساعدهم على تفهّم الدروس باللغة التركية . والمترجم مدرّس عظيم يستهوي قلوب السامعين ، يستعمل في كلامه اللغة السهلة بأسلوب يراعي فيه مداركهم وأفهامهم من أيسر السبل ( مراعاة مقتضى الحال ) . وهو خطيب مفوّه ، لا يتكلّف في كلامه ولا يتشدّق ، يهدر حينما يخطب هدير الفحل ، خاصة حينما تستثيره الحادثات المفاجئة ، فلا يبالي بالنتائج . كتب في أكثر من مجلة ، وكانت كتابته غالبا في