يوسف المرعشلي
459
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الحنفي ، وغيرهم كثيرون مما يطول تعداده ويضيق عنه الحصر . وتدخل شيخه محمود قابادو لتوليته مشيخة المدرسة المرجانية ، وانتخبه شيخه شيخ الإسلام محمد بيرم الرابع لكتابة المجلس البلدي عند تأسيسه سنة 1275 / 1859 ، وفيه تعرف برئيس المجلس الجنرال حسين الذي اقترحه على خير الدين ليكون محررا لتقارير اللجنة الإدارية المشتركة الخاصة بمراقبة المالية التونسية سنة 1276 / 1860 ، وتمت علاقات الصداقة والمودة بينه وبين هذين الرجلين ، وأصبحا يكنّان له تقديرا وإعجابا وهو يبادلهما مثل ذلك في إخلاص ووفاء ، لا عن تزلّف وتملّق المرؤوس رئيسه ، ومثل هذه الصلات بالمرموقين من رجال الدولة فتحت له باب الاشتراك في العمل السياسي والإداري ، فانتخب عضوا في المجلس الأكبر سنة 1277 / 1861 ، وسافر سنة 1288 / 1872 إلى إستانبول ضمن البعثة السياسية برئاسة خير الدين لتمتين العلائق وتنظيمها بين تونس والدولة العثمانية ، وكان هو المتولّي للمفاوضات في تنظيم العلاقات من الناحية الدينية مع شيخ الإسلام . وسافر إلى إيطاليا التي أقام بها ست سنوات مع صديقه الوزير الجنرال حسين للخصام مع ورثة قابض مالية الدولة التونسية اليهودي اللص نسيّم شمّامة ، وهناك أجاد اللغة الإيطالية ، ويروى عنه أنه كثيرا ما يقول كلمة قراتسي الإيطالية ( أحسنت ) في دروسه ، ومنها سافر إلى باريس بمناسبة انعقاد المعرض العالمي بها ، وهذه الرحلات وسعت أفق تفكيره ، وجعلته عارفا بزمانه وبمقومات الحضارة الغربية وتخلف العالم الإسلامي في ركود ، مما دعاه إلى الإصلاح والدعوة إلى إدخال النظم والآراء التي لا يعارضها الإسلام . وفتح بدروسه آفاقا جديدة ، فكان معرضا عن المناقشات اللفظية العقيمة ، مستقل الفكرة في بحثه ، ولوعا بمناقشة الآراء وابتكار الأنظار ، وله قوة التحليل وبراعة النقد والاحتجاج ، فكانت دروسه رياضا مونقة يقبل عليها المستفيدون بنهم ولذة عقلية ، وكان من أول الناعين على متأخري الفقهاء التمسك بظواهر النصوص ، وإهمال تحقيق المناط ، ومن الداعين إلى تحقيق النظر لإبراز مقاصد الشريعة وتطبيقها على الأحوال الحاضرة ، وداعيا إلى إصلاح التعليم الديني لتخريج الأكفاء للقيام بهاته المهمة ، فلذلك أبدى تحمّسا وانحيازا لإدخال العلوم الرياضية والطبيعية في برنامج التعليم بجامع الزيتونة ، ولهذه الغاية أيد تأسيس الجمعية الخلدونية ، وبهذا يتبين أنه كان في طليعة المصلحين الإسلاميين ، وفي زيارتي الشيخ محمد عبده إلى تونس كان من المؤيدين له وأعجب كلّ منهما بصاحبه واستحكمت بينهما صلات التعاون في العمل إلى آخر حياته . ولم يقتصر على نشر مبادئه الإصلاحية بواسطة الدروس فقط بل توسل بالخطابة الدينية ، فكان أول مصلح بطريقة الخطابة الدينية ، وكان خطيبا في جامع سبحان اللّه من ربض باب سويقة ، وكان يمتاز بشجاعة أدبية نادرة ، قيل إنه أول من نقل في دروسه عن ابن القيم ، في وقت كان الرأي السائد عنه أنه من المبتدعة هو وشيخه ابن تيمية ، إن لم يقع الارتقاء بهما إلى درجة الكفر . وإلى جانب ضلاعته من العلوم الشرعية كان ضليعا من اللغة العربية ، مستحضرا لشواهدها عارفا بعبقريتها وأسرار تركيبها ، عارفا بعوائد العرب وأنسابهم ، غزير الاطلاع على الأدب الجاهلي ، حتى كان محل إعجاب من كبار علماء اللغة كأحمد فارس الشدياق عند إقامته بتونس . ولميوله الإصلاحية وآرائه التحريرية ، ولسعة مداركه ومعارفه ، كان محل إكبار واحترام من الزيتونيين ومن الرعيل الأول من خريجي المدرسة الصادقية مثل الأستاذ البشير صفر وغيره من ذوي العزائم الصادقة العاملين على نفع بلادهم بجعلها على صلة بالعلوم الحديثة والتفكير الحديث ، ووجدوا فيه خير معين ونصير لما له من صيت ذائع ونفوذ قوي في أوساط المتعلمين . وله شعر سهل ممتنع ، فوق نسق شعر العلماء ، ولا يسمو إلى شعر الأدباء المختصين المتفرغين لحوك القريض . ولمكانته العلمية والأدبية كان الزعيم الموجه