يوسف المرعشلي
383
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وتولى بها القضاء نحو أربع سنين ، ثم استعفى منها لواقعة وقعت عليه ، وهي أن رجلا من نواب الحديدة ممن بيده الحل والعقد من الأتراك يقال له أحمد باشا طلب من تجار اللحية مكسا غير معين على اللؤلؤ الذي يستخرجونه من البحر من غير أن يعلم مقداره وثمنه ، وأحضر العلماء على ذلك ، وأراد منهم الفتوى ، فامتنع الشيخ حتى إن الباشا المذكور أحضر المدفع لتخويفه وقال له : إن لم تكتب على هذه الفتوى أرميك بهذا المدفع حتى يصير جسمك أوصالا ، فقال : افعل ما أردت هذا لا يضر قطعا لا عند اللّه ولا عند الناس ولا في العرف ولا في الاصطلاح ، ولا عندك من مولانا السلطان في ذلك حكم تحتجّ به علينا ، ولو فرضنا أن عندك في ذلك حكما فطاعة السلطان إذا أمر بما أمر اللّه به فأمره مطاع ، وإن أمر بخلاف الكتاب والسنة فلا طاعة له علينا ، وحاشاه أن يحكم بغير كتاب أو سنة ! وهذا الاستعفاء مقدم في خدمتكم من هذا المنصب ، فشدد عليه ثلاثة أيام ، ومنعه من الأكل والشرب ، وأصهره في الشمس ثلاثة أيام حتى تغيّرت صورته ، وأنكره كل من عرفه ، فتحمل هذه المشاق ، ولم يرض أن يحكم بخلاف الكتاب والسنة وأقوال الأئمة ، وترك وطنه ومسقط رأسه ، فقدم أرض الهند ، وذلك بعد خمس سنين من الفتنة العظيمة بالهند ، فدخل « بهوپال » في عهد سكندر بيگم وأقام بها سنتين ، ثم رجع إلى وطنه ، ثم عاد بعد خمس سنين في عهد شاهجهان بيگم ، وأقام ببلدة بهوپال أربع سنوات ، ثم رجع إلى وطنه . ثم عاد إلى الهند بعد خمس سنين ، وتوطن ببلدة بهوپال ، وكان في مدة إقامته هنالك قد طار صيته في جميع الأقطار الهندية ، وأقرّ له بالتفرد في علم الحديث وأنواعه كل أحد من كبار العلماء ، وإني رأيتهم يتواضعون له ويخضعون لعلمه ، ويستفيدون منه ، ويعترفون بارتفاع درجته عليهم . وأخذ عنه جماعة من أعيانهم كالسيد صديق حسن بن أولاد حسن الحسيني البخاري القنوجي ، والشيخ محمد بشير بن بدر الدين السهسواني ، والشيخ شمس الحق بن أمير علي الديانوي ، والشيخ عبد اللّه الغازيپوري ، والشيخ عبد العزيز الرحيم آبادي ، والمولوي سلامة اللّه الجيراجپوري والمولوي وحيد الزمان الحيدرآبادي ، والشيخ طيب بن صالح المكي ، وأبو الخير أحمد بن عثمان المكي ، والشيخ الصالح إسحاق بن عبد الرحمن النجدي ، وخلق كثير من العلماء . قال عبد الحي الندوي : ( وهذا العبد الضعيف - أصلح اللّه شأنه وصانه عما شانه - قد أخذ عنه شيئا كثيرا في علم الحديث ، فقرأت عليه « أوليات الشيخ محمد سعيد سنبل » ، و « الحصن الحصين » ، و « جامع الترمذي » ، و « سنن أبي داود » ، و « صحيح مسلم بن الحجاج النيسابوري » ، و « صحيح الإمام محمد بن إسماعيل البخاري » ، قرأتها عليه كلها من أولها إلى آخرها ، وقرأت عليه جملة صالحة من « بلوغ المرام » ، وسمعت بقراءة غيري عليه « سنن النسائي » ، و « سنن ابن ماجة » ، و « مسند الدارمي » ، و « الموطأ » ، و « المشكاة » وغيرها ، وسمعت منه كثيرا من الأحاديث المسلسلة كالحديث المسلسل بالأولية ، والمسلسل بالمحبة ، والمسلسل بيوم العيد ، والمسلسل بيوم عاشوراء ، والمسلسل بالمصافحة ، والمسلسل بالمشابكة ، والمسلسل بالصحبة وغيرها ، وقد أجازني إجازة عامة تامة نفعنا اللّه ببركاته ) . لم يكن له كثرة اشتغال بتأليف ، ولو أراد ذلك لكان له في الحديث ما لا يقدر عليه غيره ، وله رسائل حافلة ومباحث مطولة هي مجموعة في مجلد ، وقد فاته كثير وذهب ، ولكنه لم يحرص على جمع ذلك ، وله « تعليقات على سنن أبي داود » . وقد كان كثير التردد إلى بلاد لكهنؤ في آخر عمره ، وكان ينزل عندي ، ويحبني كحب الآباء للأبناء ، وقد دخل لكهنؤ قبل موته بنحو أربعة أشهر ، وأقام بها نحو شهر أو أقل ، ثم رحل عنها إلى « حبيب گنج » قرية من أعمال عليگدة ، بعد طلب مولانا حبيب الرحمن بن محمد تقي الشرواني ، فأقام عنده نحو أربعة أشهر ، وفي آخر جمادى الأولى قوّض خيام الارتحال منها إلى مدينة بهوپال ، فلم يمكث بها إلا نحو خمسة عشر يوما ، ثم انتقل إلى رحمة اللّه سبحانه .