يوسف المرعشلي
369
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
المحدث رشيد أحمد الگنگوهي ، وهاجر والده إلى المدينة المنورة مع عياله سنة ست عشرة وثلاث مئة وألف فرافقه ، ولقي بمكة الشيخ الأجل إمداد اللّه التهانوي المهاجر إلى مكة المباركة ، وهو شيخ شيخه ، واستفاد منه واحتظ بصحبته ، ودخل المدينة وأقام هناك على قدم صدق وإخلاص وتوكّل وتقشف ، وطلبه شيخه العلامة رشيد أحمد إلى « گنگوه » سنة ثمان عشرة وثلاث مئة وألف ، ومكث سنتين ، وأجازه الشيخ ، ثم رجع إلى الحجاز سنة عشرين وثلاث مئة وألف ، وتصدّر للتدريس في مدينة الرسول - صلى اللّه على صاحبها وسلم - محتسبا متطوّعا ، يدرّس في الحديث والتفسير والفقه ، يشتغل به من بعد العشاء إلى قيام الليل . ومكث إلى سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مئة وألف ، يزور في خلالها الهند ، ويحضر دروس شيخه العلامة محمود حسن ، ويعود إلى المدينة المنورة ، إلى أن سافر شيخه محمود حسن سنة ثلاث وثلاثين للحج والزيارة ، ودخل المدينة سنة أربع وثلاثين ، فلازمه الشيخ حسين أحمد ، وقدم مكة المباركة معه ، وكان ذلك في أثناء الحرب العالمية ، وخروج الشريف حسين ، وبغيه على الدولة المتبوعة العثمانية ، ومعه المولوي حسين أحمد ، والمولوي عزير گل ، والحكيم نصرة حسين الكوروي وغيرهم من أصحابه ، وأسرهم ولاة الأمر في الحجاز ، وأسلموهم إلى الحكومة الإنجليزية ، فنقلتهم إلى « مصر » ، ثم إلى « مالطة » ، حيث وصلوا سلخ ربيع الآخر سنة خمس وثلاثين ، ولبثوا فيها ثلاث سنين وشهرين ، ومات الحكيم نصرة حسين « بمالطة » ، وجدّ الشيخ حسين أحمد في خدمة أستاذه ، وفي العبادة والمطالعة ، وحفظ القرآن الكريم ، وصدر الأمر بإطلاق سراحهم لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة ثمان وثلاثين وثلاث مئة وألف ، وعادوا إلى الهند مكرمين . ومرض الشيخ محمود حسن مرضه الأخير ، فكان بجانبه يخدمه ويسهر عليه ، وأمره الشيخ بالتوجه إلى « كلكته » ليشتغل أستاذا في المدرسة التي أسسها مولانا أبو الكلام ، وقد سأله أن يرسل أحد خاصته ، فآثر الشيخ حسين أحمد رضا شيخه على هوى نفسه ، فلم يسافر بعيدا ، إلا وفوجىء بنبأ وفاته ، فعاد إلى « ديوبند » وقد دفن الشيخ ، وتوجه إلى « كلكته » واشتغل مدة في هذه المدرسة ، ثم انتقل إلى « سلهت » ( عاصمة ولاية آسام ) ومكث ست سنين يدرس الحديث الشريف ، ويربي النفوس ، وينفخ في الناس روح الأنفة والإباء وحب الحرية ، وانتفع به خلائق لا تحصى . وحميت حركة التحرير والثورة السياسية في الهند ، فخاض فيها وأفتى بحرمة العمل في الجيش الإنجليزي ، وسجن في منتصف المحرم سنة أربعين وثلاث مئة وألف ، وحوكم في « كراچي » محاكمة مشهورة ، وحكم عليه بسجن سنتين مع الاشتغال بالأعمال الشاقة ، وأطلق سنة اثنتين وأربعين وثلاث مئة وألف . ولما اعتزل الشيخ العلامة أنور شاه الكشميري شياخة الحديث في « ديوبند » وانتقل إلى « دابهيل » ، وقع الاختيار على الشيخ حسين أحمد رئيسا للمعلمين وشيخا للحديث في دار العلوم ، فانتقل إلى ديوبند سنة ست وأربعين وثلاث مئة وألف ، واستقل بتدريس الحديث ورئاسة المدرسة ، فحافظت على شهرتها ومركزها وثقة الناس بها ، وشمّر عن ساق الجد والاجتهاد في تدريس الحديث الشريف وفي بث روح النخوة والإباء في المسلمين ، وجمع بين التدريس والعمل في المجال السياسي بهمة نادرة وقوة إرادة ، وجال في الهند طولا وعرضا يحضر الحفلات ، ويلقي الخطب والمحاضرات ، ويتحمّل مشاق السفر ، ويسهر الليالي ، وهو محافظ على أوقاته وأوراده ، يجهد نفسه ويحيي ليله في المطالعة والتدريس مع بشاشة دائمة وتواضع مفرط وإكرام للوافدين وقضاء لحق الزائرين والسائلين . وصرف همته إلى تأييد القضية الوطنية ومساعدة جمعية العلماء التي كان من أكبر أعضائها ، فقاد « حركة العصيان المدني » سنة إحدى وخمسين ، وسجن لستة أشهر ثم أطلق ، ورأس عدة حفلات سنوية لجمعية العلماء ، وفي سنة إحدى وستين وثلاث مئة وألف قامت الحركة الوطنية على قدم وساق ، وغلى مرجلها ، وطلب المؤتمر الوطني من الإنجليز أن يغادروا البلاد ، وألقى الشيخ حسين أحمد خطبا حماسية ، فألقي القبض عليه لثمان خلون من جمادى الآخرة سنة إحدى وستين وثلاث مئة وألف ، وبقي معتقلا نحو ثلاث سنوات وهو صابر محتسب ، متحمّل للأذى ، مشتغل بالعبادة والإفادة في السجن ، حتى جاء الأمر