يوسف المرعشلي

370

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

بالإطلاق في السادس من رمضان سنة ثلاث وستين ، فعاد إلى ما كان عليه من كفاح وجهاد ، وتعليم وإرشاد ، وخدمة للعباد والبلاد ، وقويت حركة العصبة الإسلامية التي تنادي بتقسيم الهند وتطالب بباكستان ، ودانت بها الجماهير من المسلمين بحماسة وتفان ، وكان الشيخ حسين أحمد يرى في هذه الفكرة الضرر العظيم على المسلمين ، ويعتقد أنها تفقدهم مركزهم السياسي ووحدتهم الملية ، وأنها من وحي الدهاء السياسي الإنجليزي ، فعارضها بإيمان وإخلاص ، وذرع الهند جولة ورحلة ، وجهر بعقيدته ، لا يخاف فيها لومة لائم ، ولا إهانة مهين ، فتعرض لسخط المتحمسين والثائرين من أتباع العصبة الإسلامية وأصاب فكرة التقسيم ، ولقي منهم الشيء الكثير من الأذى والإهانة وهو صابر محتسب ، لا يفتر في عمله ، ولا يكفّ عن نشاطه ، يرشد المسلمين وأهل البلاد ، إلى ما يرى فيه الخير والسداد ، غير مدفوع بطمع ، ولا مبال بثناء أو نقد ، حتى أعلن التقسيم في رمضان سنة ست وستين وثلاث مئة وألف ، فانفجرت الحروب الطائفية ، ووقعت المذابح العظيمة في مدن الهند وقراها ، وافترس المسلمون في الهند الشمالية الغربية وحول « دهلي » ، ووقع ما كان يخافه الشيخ وأصحابه ، ونزح من نزح منهم إلى « باكستان » ، وبقي من بقي في اضطراب حال وتشتت بال ، وأصبحت المراكز الدينية والثقافية في الهند في خطر الزوال ، وأصبحت البقية الباقية من المسلمين في خطر الاستسلام أمام الأكثرية ، فانقلب الشيخ واعظا دينيا ، يثير في المسلمين الإيمان والثقة باللّه والاعتزاز بالدين ، ويدعوهم إلى الصبر والثبات والتوكل على اللّه ، ومقاومة المهاجرين والمغيرين بالإيمان واليقين ، فقوت مواعظه وجولاته القلوب المنخلعة ، وأرسخت الأقدام المتزلزلة ، وزال الخطر ، وانقشع السحاب ، وبقيت المراكز الثقافية والدينية على حالتها الأولى ، وبدأ المسلمون يزاولون حياتهم ونشاطهم باعتدال وثقة . واعتزل الشيخ السياسة العملية بعد استقلال البلاد ، وعكف على الدرس والإفادة ، والدعوة إلى اللّه ، وتربية النفوس ، لا يتصل بالحكومة ورجالها ، حتى أنعم عليه رئيس الجمهورية في جمادى الأولى سنة ثلاث وسبعين وثلاث مئة وألف برتبة فخرية ، فرفض ذلك قائلا : إنه لا ينسجم مع طريقه أسلافه ، وبقي في « ديوبند » يدرّس الحديث الشريف ، ويتجوّل في الهند يدعو المسلمين إلى التمسك بالدين ، واتباع الشريعة الغراء واقتفاء السنن النبوية ، وإصلاح الحال ، والإكثار من ذكر اللّه ، وقد عطّف اللّه عليه القلوب والنفوس ، وغرس حبه في أهل الخير ، فأقبلوا عليه زرافات ووحدانا ، وتقاطر عليه الناس من كل صوب ، وانهالت عليه الدعوات ، وهو يتقبّلها بقلب طيب ، ويتحمل في سبيلها المشاق ، حتى اعتراه مرض القلب وضغط الدم ، فانقطع عن الأسفار مدة قليلة ، ولزم بيته وهو ملتزم للأوراد ، جادّ في التربية والإرشاد ، وإكرام الضيوف ولقاء الزوار ، قد تغلب عليه الخشوع والرقة ، والابتهال إلى اللّه تعالى ، والتهيؤ للقائه ، حتى وافاه الأجل في الثالث عشر من جمادى الأولى سنة سبع وسبعين وثلاث مئة وألف ، وصلى عليه الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي في جمع حاشد لا يحصى ، ودفن بجوار أستاذه الشيخ محمود حسن الديوبندي والإمام محمد قاسم النانوتوي . كان الشيخ حسين أحمد من نوادر العصر وأفراد الرجال صدقا وإخلاصا ، وعلو همة وقوة إرادة ، وشهامة نفس ، وصبر على المكاره ومسامحة للأعداء ، يشفع لهم ويسعى في قضاء حوائجهم ، وثبات على المبدأ ورحابة صدر ، وجمع للأشتات من الفضائل والمتناقضات من الأعمال ، له نزاهة لا ترتقي إليها شبهة ، وهمة لا تعرف الفتور والكسل ، واشتغال دائم لا يتطرق إليه الملل . كانت له أوقات مشغولة منظّمة ، كان إذا صلى الصبح أفطر مع الضيوف الذين يكثر عددهم ، ثم توجّه إلى دار الحديث ، وقرأ درسين : درسا في « صحيح البخاري » ، ودرسا في « جامع الترمذي » ، وكان يقرأ هو بنفسه في غالب الأيام بلحن عربي ، وصوت واضح قوي ، ويفيض في الشرح والإلقاء ، ثم ينصرف ويتغدى مع ضيوفه ويقيل ، وبعد أن يصلي الظهر يجلس للوافدين ويشرب معهم الشاي ، ويكتب الرسائل والردود ، ويقضي حاجة الزائرين والسائلين ، وإذا صلى العصر جلس للضيوف والزائرين يحدّثهم ويؤنسهم ، وإذا كان في آخر السنة قرأ درسا كذلك إلى صلاة المغرب ، فإذا صلى المغرب قام للنوافل ، وأطال القراءة والقيام ، ويتفرغ للمسترشدين وأصحاب السلوك ، فإذا صلى العشاء ، قرأ درسا في صحيح البخاري إلى أن