يوسف المرعشلي
258
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وثار المسلمون وأهل البلاد على الحكومة الإنجليزية سنة أربع وسبعين ومئتين وألف ، وقامت جماعة من العلماء والصلحاء وأهل الغيرة من المسلمين في سهارنپور ومظفر نگر فأعلنوا الحرب على الإنجليز واختاروا الشيخ إمداد اللّه أميرا لهم ، واشتبك الفريقان في ميدان « شاملي » قرية من أعمال مظفر نگر فقتل حافظ محمد ضامن شهيدا ، وانقلبت الدائرة على المسلمين ورسخت أقدام الإنجليز ، واشتد بطشهم بكل من اتهم بالمشاركة في هذه الثورة ، وضاقت على العلماء العاملين الغيارى الأرض ، وضاق مجال العمل في الهند ، وقضى بعض الرفقة مدة في الاختفاء والانزواء ، ولجأ بعضهم إلى الهجرة ومغادرة البلاد ، وآثر الشيخ إمداد اللّه الهجرة إلى مكة المكرمة ، ودخل مكة سنة ست وسبعين ومئتين وألف وألقى رحله بالبلد الأمين ، وكان أول إقامته على « الصفا » ثم انتقل إلى حارة الباب حيث قضى حياته ولقي ربه ، وعاش أياما طويلة في عسر شديد وفقر وفاقة ، شأن الأولياء المتقدمين ، وهو صابر محتسب ، راض بما قسم اللّه له من الحال ، حتى جاء اللّه بالفرج ، وأبدل العسر باليسر ، وجاءته الدنيا راغمة ، واشتغل بالمجاهدات والعبادات متوجها إلى اللّه بقلبه وقالبه ، دائم الذكر والمراقبة ، فائض القلب والباطن بالعلوم والأنوار ، مع هضم للنفس واطراح على عتبة العبودية ، وتواضع للعباد ، وعلو همة ، وشهامة نفس ، وإجلال للعلم والعلماء ، وتعظيم للشريعة والسنة السنية ، حتى غرس اللّه حبه في قلوب عباده ، وعطف قلوب العلماء الكبار والمشايخ الأجلاء إلى الرجوع إليه والاستفادة منه ، وأمّه طلاب المعرفة واليقين من بلاد بعيدة ، وبارك اللّه في تربيته وطريقته ، فانتشرت أنوارهما في الآفاق ، وجدد به الطريقة الجشتية الصابرية ، وانتمى إليها ودخل في سلكها كبار العلماء والفضلاء ، ونفع اللّه به خلائق لا يحصون ، أجلهم الشيخ قاسم ، والشيخ رشيد أحمد ، ومولانا يعقوب ، والمولوي أحمد حسن ، والمولوي محمد حسين ، والمولوي أشرف علي ، وكلهم صاروا شيوخا ، انتفع بهم خلق كثير . وكان الشيخ إمداد اللّه مربوع القامة يميل إلى الطول ، نحيف الجسم ، أسمر اللون ، كبير الهامة ، واسع الجبين ، أزج الحاجبين ، واسع العينين ، حلو المنطق ، ودودا ، بشوشا ، قليل المنام ، مقلا من الطعام ، قد أضناه الحب الإلهي ، وأنحفته المجاهدات والرياضات ، رحب الأناة ، واسع القلب ، جامعا للأشتات ، يلتقي على حبه والاستفادة منه المختلفون في الأذواق والمشارب ، متسامحا مع الناس ، متوسعا في المسائل الجزئية والمذاهب الخلافية ، لا يتعصب فيها ولا يتشدد ، مولعا « بالمثنوي المعنوي » دائم الاشتغال به تأملا وتدريسا وتذوقا وتلقينا ، ينصح أصحابه بقراءته والتأمل فيه ، له مصنفات لطيفة كلها في الحب الإلهي والمعرفة والتصوف ، منها : - « ضياء القلوب » بالفارسية . - « إرشاد مرشد » . - « گلزار معرفة » . - « تحفة العشاق » . - « جهاد أكبر » . - « غذاء روح » . - « دردنامه غمناك » . كلها في أردو ، وأكثرها في الشعر . توفي يوم الأربعاء ثاني عشر جمادى الآخرة سنة سبع عشرة وثلاث مئة وألف بمكة المباركة ، فدفن بالمعلاة عند الشيخ رحمة اللّه الكيرانوي . أمة اللّه بنت عبد الغني الدهلوية المدنية « * » ( 1251 - 1357 ه ) أمة اللّه بنت العلامة المحدث عبد الغني بن أبي سعيد أحمد بن عبد العزيز بن عيسى ، العمرية الدهلوية المدنية النقشبندية ، مسندة المدينة المنورة ، المعمرة ، القانتة ، ذات الأدب الراقي ، والعقل الراجح ، العالمة الفاضلة . ولدت بالمدينة المنورة في 16 شعبان سنة 1251 ه ، ونشأت في بيت والدها العلامة المحدث المشهور
--> ( * ) « تشنيف الأسماع » لمحمود سعيد ، ص : 101 ، 102 ، الترجمة ( 31 ) .