يوسف المرعشلي
259
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
الشيخ عبد الغني بن أبي سعيد المجددي المدني ، فنهلت من ينابيع التربية الصافية . بدأت بقراءة القرآن الكريم وتحصيل المبادئ على والدها المذكور ، ثم قرأت عليه في الفقه الحنفي كتبا وفي النحو والصرف والأدب ، ثم عنيت بعلم الحديث الشريف تبعا لوالدها الذي سمعت عليه الكتب الستة بقراءتها أو قراءة غيرها مرات ، والكثير من الأجزاء والأثبات ، وحصلت بالعرض عليه كثيرا من المسموعات ، وتحملت ما عنده من المسلسلات ، وأجازها عامة بأسانيده المذكورة في « اليانع الجني » وفي غيره . واعتنى بها والدها اعتناء كبيرا ، حيث إنه لم يلق أحدا من مشايخ الحديث إلا وعرضها عليه ، ولذلك شاركت أباها في بعض شيوخه وعمّتها إجازات بعض العلماء لأبيها كالشيخ المحدث محمد عابد السندي ثم المدني الأنصاري ، والحسن بن أحمد عاكش اليماني وغيرهما . وكذا أخذت بالتلقي والسماع عن كثير من المحدثين ، فاجتهدت في طلب العلم في جد وتشمير ، ولها التعلق بتحصيله . وكان لها اهتمام كبير بتعليم النساء أمور دينهنّ ، فاعتنت بتدريس بعض المختصرات في الحديث ومختصر القدوري . وبعد وفاة والدها احتاج الناس للأخذ عنها ، فكان المشايخ يحضرون لمنزلها للسماع والاستجازة ، وفي غالب أحوالهم يسمعون بقراءة الشيخ إبراهيم سعد اللّه الختني المدني طرفا من صحيحي البخاري ومسلم ، وأول مصنف ابن أبي شيبة ، والأوائل العجلونية ، والفوائد الجليلة لابن عقيلة ، وتسمعهم المسلسلات الوترية للمحدث السيد علي بن ظاهر الوتري ، وبعض الأحزاب ، ثم تكتب الإجازة للحاضرين . وقد وقفت على إجازتها لشيخنا العلامة الفاداني ، وهي إجازة واسعة كبيرة تذكر أسانيد الكتب طبقة بعد طبقة ، مما يدل على اعتنائها وتمكنها وسعة اطلاعها « 1 » . وقد عمرت أكثر من مائة عام ، وهي آخر من بقي من أصحاب الشاه المحدث عبد الغني بن أبي سعيد الدهلوي المتوفى سنة 1296 ه ، وبوفاتها نزل الإسناد درجة خاصة من ناحية أهل الهند ، فغالب أسانيدهم تتصل بالشاه عبد الغني الدهلوي ، وهو إلى عابد السندي أو ولي اللّه الدهلوي رحمهم اللّه تعالى . وتوفيت أمة اللّه بيكم المدنية بالمدينة المنورة سنة 1357 ه ، وروى عنها الكثير من أعلام الحرمين والمشرقين ، منهم : العلامة المحدث الشيخ إبراهيم الختني المدني ، والحافظ السيد أحمد الصديق ، والعارف باللّه محمد الحافظ التجاني المصري ، ومسند المشرق الحبيب سالم آل جندان ، والعلامة الحبيب السيد محسن المساوي العلوي المكي ، ومسند عصره محمد ياسين الفاداني ، والقاضي الحبيب أبو بكر بن أحمد بن حسين الحبشي المكي . أمير أحمد السهسواني « * » ( 1260 - 1306 ه ) الشيخ الفاضل العلامة : أمير أحمد بن أمير حسن النقوي السهسواني ، أحد كبار العلماء . ولد نحو سنة ستين ومئتين وألف . واشتغل بالعلم على والده ، وأخذ عنه النحو والعربية وتفقّه عليه ، وقرأ العلوم الحكمية على مولانا قلندر علي الپاني پتي ، ثم دخل دهلي وأخذ الحديث عن شيخنا المحدث نذير حسين الدهلوي . وكان غاية في الذكاء ، سريع الإدراك ، قوي الحفظ ، رأسا في معرفة العربية واللغة والاشتقاق ، واختلاف المذاهب والرجال ، وسائر فنون الحديث ، جيد المشاركة في المنطق والحكمة ، كثير الادعاء معجبا بنفسه ، لا يرى أحدا مثله في العلوم كلها ، عقليا كان أو نقليا ، يحضر المجالس والمحافل ، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار ، وكان ينصر السنة المحضة والطريقة السلفية ، وله إقدام وشهامة وقوة نفس توقعه في أمور صعبة ، لقبته الدولة الإنجليزية بشمس العلماء .
--> ( 1 ) انظر « أعلام القاصي والداني » ص : 146 . ( * ) « الإعلام بما في تاريخ الهند من الأعلام » لأبي الحسن الندوي ص : 1195 .