يوسف المرعشلي

212

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

صحف الأخبار كالأعلام والقاهرة ، وبالتدريس لبعض أناس منهم السيد توفيق البكري . ولما اتصل به ، حسّن له خلع العمامة والجبة وإبدالها بالملابس الأفرنكية والطربوش . ثم فارقه واستخدم كاتبا بمحكمة بني سويف الأهلية نحو عشرة أشهر . ثم امتحن للدخول بمدرسة دار العلوم مدرّسا للإنشاء ، فحاز قصب السبق وعاد للعمامة والجبة . وأقام بها تسع سنين انتفع فيها الطلبة ، وتخرّج عليه كثيرون ممن يحسنون الكتابة الآن « 1 » . ثم نقلوه بعد ذلك مدرّسا للنحو بالمدارس الابتدائية في الأقاليم ، فحطّوا من درجته ، إلا أنهم أبقوا له مرتبة . وكان أخيرا بمدرسة بني سويف ، ومرض بها فأحيل على المعاش ، واختار السكنى بالقاهرة ، وابتغى مكانا يعتزل فيه الخلق ويشتغل بالمطالعة وإتمام بعض تآليفه ، فاختار مصر الجديدة ، واكترى « 2 » بها دارا صغيرة أقام فيها بمفرده مع خادم مسنّ كان يقضي له حاجاته من السوق ، ويقوم بتنظيف المكان . وكان الشيخ مريضا بمرض يعرف عند الأطباء بتصلب الشرايين ، وهو لا يعلم بأمره ، ولا يهتم بنفسه ، حتى اشتد عليه أخيرا وهو يظنه ضيفا مرتحلا ، ثم تركه الخادم وعاد لبلده ، فبقي وحيدا بالدار حتى أدركه أجله المحتوم فجأة ، والأبواب مغلقة عليه ، وبقي أياما لا يعلم به أحد ، حتى ظهرت رائحته للجيران ، فأخبروا رجال الشرطة ، فحضروا وكسروا الأقفال ، فألفوه مائلا في سريره وجزء من كتاب الأغاني ملقى بجانبه ، وكان ذلك يوم الأحد 28 من المحرم سنة 1329 ه . وقرر الطبيب أنه مضى على وفاته ثلاثة عشر يوما ، فنقلوه ودفنوه ، تغمّده اللّه برحمته . ولم يكن اشتغاله بالعلوم على السواء ، بل كان جل اعتنائه بمتن اللغة والشعر والنثر ، فحفظ من اللغة مقدارا وافيا من الغريب وغيره ، وكلّف بتصحيح « شرح القاموس » عند ضبطه برمته في المرة الثانية . وكان اشتغاله بالشعر في الأزهر قليلا كما قدمنا ، ولم يبرع فيه إلا عند دخوله دار العلوم طالبا ، وقد أرّخ أول إجادته فيه بقوله : أقول الشعر عن فكر سليم - 1298 ونظم بعد ذلك القصائد المتينة والمقطعات السمينة ، وكان ينهج فيها منهج العرب لكثرة نظره في دواوينها ، واقتناء الكثير منها استنساخا أو نسخا بيده ، ولو تم له الخيال الشعري كما تمت له الديباجة وجزالة الألفاظ - لكان أشعر أهل زمانه بلا منازع . ولما عاد الأمير محمود سامي ( باشا ) أشعر شعراء العصر من منفاه بسيلان ، وكان بعيد العهد بشعراء مصر ، واطلع على إنتاج الشعراء المصريين في ذلك العهد ، لم يعجبه إلا شعر المترجم في رصانة البناء وسلامة التركيب . وقد ترك من التآليف : - « رفع اللثام عن أسماء الضرغام » جمع فيه ما ينيف على خمسمائة اسم للأسد - طبع بمصر . - « مفتاح الأفكار في النثر المختار » جمع فيه مختار النثر من رسائل وخطب في الجاهلية إلى هذا العصر « 3 » ، وهو كتاب جليل الفائدة - طبع بمصر أيضا . - « مفتاح الأفكار في الشعر المختار » جمع به مختار الشعر من الجاهلية إلى عصرنا هذا « 4 » لم يطبع ولم نطلع عليه . وله « ديوان حماسة » من شعر العرب ، استدرك به على أبي تمام ما فاته . - « مفتاح الإنشاء » - لم يكمله . وأخذ في أواخر أيامه في جمع شعره ونثره وترتيبه في ديوان ، ولا أدري ما فعل الدهر به . وكان رحمه اللّه غريب الأطوار ، سريع الغضب ، سريع الرضا ، مع صفاء الباطن ، له شذوذ في أخلاقه يتحمله من عرفه وعاشره . أسمر اللون ، أسود اللحية والشاربين كبيرهما ، أميل إلى الطول ، له هزة وتخطّر في مشيه - لمرض كان أصابه في ظهره ورجليه . ولما انتقل إلى مدارس الأقاليم صار يحضر إلى

--> ( 1 ) إشارة إلى عهد المؤلف العلامة المحقق أحمد تيمور ( باشا ) . ( 2 ) استأجر . ( 3 ) إشارة إلى عصر المترجم - رحمه اللّه . ( 4 ) أي عصر المترجم ، وهو عصر المؤلف أيضا .