يوسف المرعشلي
213
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
القاهرة في فترات ، فينزل عندنا « 1 » ، ويجتمع به إخوانه وأصدقاؤه في ليال كنا نحييها بالمطارحات الأدبية وإنشاد الأشعار . ومات ولم يعقب غير بنتين زوّجهما في حياته . ومن شعره قوله يرثي صديقه محمد بك بيروم ابن الشيخ بيرم التونسي ويعزي أخويه : لقد مات في سن الثلاثين بيرم * فإن كان قول فالرثاء المقدم مضى سابقا سبق الجواد إلى المدى * ولا يدرك الغايات إلا المطهم فتى كان مثل السيف يفري قرابه * ويعجب منه الناظر المتوسم فلم يغن عنه فكره وهو صارم * ولا ذاد عنه عرفه وهو عليم فيار راكب السوداء في البحر ترتمي * على صفحات الماء والبحر خضرم تمر كما مرت نعاج تعسفت * رمال الفلا واليوم ضحيان يبسم وكنتم ثلاثا فرق الدهر بينكم * كأنكم اسم في النداء مرخم الشيخ أحمد المقداد البصروي « * » ( 1322 - 1383 ه ) الفقيه الشافعي ، المشارك في العلوم : الشيخ أحمد المقداد البصروي ثم الدمشقي . ولد في بلدة بصرى الشام سنة 1904 م ، وعاش فيها يتيم الأب منذ سنواته الأولى ، فتولى رعايته جده لأبيه ، وبعد وفاة جده تولى رعايته عمه شقيق أبيه الذي نقله إلى أحد كتاتيب بلدته ليتلقى مبادئ القراءة والكتابة . وعندما بلغ السادسة من عمره نقله إلى المدرسة الابتدائية في بلدته حيث قضى فيها عدة سنوات ، كان موضع إعجاب معلميه خلالها . وعندما تجاوز العشرين من عمره تزوج بابنة عمه التي أنجبت كل أولاده في بلدته . وفي عام 1925 م غادر بلدته متوجها إلى دمشق لطلب العلم الشرعي ، واستطاع أن يصلها رغم معارضة ولي أمره الذي كان يرغب أن يفرغه للفلاحة والزراعة أسوة بأبناء جيله ، والتحق فور وصوله بحلق طلّاب العلامة الجليل الشيخ علي الدقر - رحمه اللّه - التي كان يعقدها في مسجد السادات الكائن في أول السوق الطويل وقرب باب الجابية . وقد تفرغ كليا لطلب ودراسة العلوم الشرعية كالفقه والحديث والتفسير والتوحيد والنحو وغيرها ، وكان مقبلا على المطالعة ، ومحبا لها في كل الأوقات وسواء عنده أكان مع زملائه ، أم بمفرده . وقد روى - رحمه اللّه - قصة في حبه للمطالعة وصبره على ذلك فقال : « كنت أفضل المطالعة ليلا ، حيث الهدوء والجو الملائم ، وقد صدف أن أوى زملائي للنوم في غرفهم المخصصة في جامع السادات ، فرأيت ذلك فرصة لقراءة كتاب فقهي يبحث في العبادات والمعاملات ، فوقفت تحت قنديل كهربائي على قدمي ، وأخذت أقرأ صفحاته صفحة صفحة ، ولم ينبهني إلا صوت مؤذن المسجد يدعو لصلاة الفجر ، ومن حسن حظي أنني قد أتيت على قراءة الكتاب كاملا . . . » . ولقد استطاع رحمه اللّه أن يلمّ بعدد من العلوم الشرعية وأن ينبغ خاصة بالفقه الشافعي ، فتنبّه أستاذه الشيخ علي الدقر إلى تفوقه في الفقه الشافعي ، فطلب إليه تدريس هذه المادة في معهد العلوم الشرعية للجمعية الغرّاء ، الذي كانت إدارته أول الأمر في ( التكية السليمانية ) ثم انتقل بعد ذلك إلى مدرسة ( تنكز ) في شارع النصر . وأخذ الشيخ مقرا له ومبيتا في مدرسة ( العداس ) في حيّ القنوات التي كان يتولى فيها عقد الحلق ليلا للطلّاب الراغبين في المزيد من العلوم الشرعية ، وقد سرّ شيخه الجليل بما يبديه من سهر ونشاط ومن استيعاب لمادة الفقه الشافعي ، فمنحه لقب ( الشافعي الصغير ) الذي بقي وسام شرف يتحلّى به طيلة حياته . كانت حصيلة أعماله في تدريس الفقه مدة تقارب
--> ( 1 ) في دار العلامة المحقق أحمد تيمور ( باشا ) بدرب سعادة . ( * ) « تاريخ علماء دمشق » للحافظ : 3 / 570 - 573 .