يوسف المرعشلي
211
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
وكان اشتغاله بالزراعة دون غيرها . ويتحر الحلال في كسبه ، ويقول الحق ولو على نفسه ، وتعلم القراءة والكتابة في الكبر ، ولم يجدهما . ولما وصل نعيه إلى ولده المترجم بالقاهرة رثاه على البديهة بقوله : قضى والدي بالرغم مني وليتني * سبقت لأمر ساورتني غوائله لقد عاش دهرا لم يشبه بريبة * حياة سخيّ فاض بالقوم نائله وقام بعبء الدين والفضل صادقا * وما المرء إلا دينه وفضائله عليه سلام كلما غاب كوكب * وسالت من الجفن القريح هوامله وكانت ولادة المترجم ليلة السبت الرابع من شعبان سنة 1274 ه . ونشأ بالبلدة المذكورة في حباطة والده ، وابتدأ القراءة على الشيخ جاد المولى ، فقرأ عليه القرآن وبعض المتون ، ومكث بعدها نحو ثلاث سنوات . ثم حضر إلى القاهرة سنة 1289 ه لطلب العلم بالجامع الأزهر ، وتلقى عن شيوخ وقته . فقرأ النحو : على الشيخ محمد الشعبوني المغربي ، والشيخ عرفه سالم السفطي ، والشيخ عبد اللّه الفيومي ، والشيخ محمد البحيري ، والشيخ سالم البولاقي ، والشيخ محمد الأنبابي . والفقه الحنفي : على الشيخ عبد الرحمن السويسي ، والشيخ صالح قرقوش ، وحضر بعض دروس الأستاذ الكبير الشيخ محمد العباسي المهدي شيخ الجامع الأزهر ومفتي مصر إذ ذاك . والبيان : على الشيخ عرفة ، والشيخ على الجنائني ، والشيخ محمد البحيري . وآداب البحث : على الشيخ محمد البحيري المذكور . والمنطق : على الشيخ محمد عبده ، والشيخ أحمد أبو خطوة ، والشيخ سالم البولاقي ، والشيخ محمد البحيري . والعروض : على الشيخ محمد موسى البجيرمي . وفي أثناء مجاورته كان مسافرا من بلدته إلى القاهرة في سفينة كبيرة أيام زيادة النيل ، ونزل يغتسل على سكان السفينة مع جماعة ، فانحدر مع الماء في وسط النيل ، وتبعه أحد المغتسلين لإنجاده ، فما زال سابحا حتى كلت سواعده ، وكاد يغرق ، ثم نجا ، وخرج على الشاطئ الغربي للنيل ، وأرسل له من بالسفينة زورقا وصل به إليها . وسافر مرة من القاهرة عائدا إلى بلدته في سفينة ، فتشاحن مع ربانها تشاحنا أدى إلى إخراجه منها ، فخرج إلى بلدة يقال لها الرقة بإقليم بني سويف لا يملك شروى نقير ، سوى كتاب مخطوط رهنه في أجرة القطار إلى بلدته . وله نوادر كثيرة أمثال ذلك من المشي على القدمين مسافات بعيدة ، والمبيت على الطوى في كل غدوة وروحة بين القاهرة وبلدته . وبعد أن قضى سبع سنوات بالأزهر مجدا في طلب العلم ومباحثة الشيوخ ، عاد إلى بلدته ، ومكث بها نحو سنتين مشتغلا بحفظ الشعر ونظمه ، ولم يكن له بالأزهر كبير عناية به ، لانصرافه إلى تحصيل العلوم . ثم حضر إلى القاهرة ، ودخل مدرسة دار العلوم سنة 1298 ه فأعاد بها معظم العلوم العربية مع الجزء الأول من تاريخ ابن خلدون المشهور بالمقدمة على الشيخ حسين المرصفي ، ثم خلفه في تدريس اللغة العربية شيخنا الشيخ حسن الطويل ، فتلقى عنه بعض المثل السائر ورسالة ابن زيدون الهجوية ، والزوراء للجلال الدوائي في الحكمة ، وانتفع به كثيرا ، وقال فيه وفي الأستاذ المرصفي : دار العلوم شكت فراق أبي الهدى * المرصفي الحبر أوحد ذا الزمن فأجبتها حسن المعارف بعده * لا تجزعي إن الحسين أخو الحسن وتلقى التفسير والحديث بالمدرسة عن الشيخ أحمد شرف الدين المرصفي . والفقه الحنفي عن الشيخ حسونة النواوي ، والعلوم الطبيعية والرياضية على أساتذة آخرين بالمدرسة . ثم خرج منها بعد أن نال الشهادة الدالة على براعته سنة 1302 ه . فقال بعد مفارقته المدرسة مضمنا : دار العلوم نثرت نظم أحبة * كانوا بدورا في سماء علاك حتى بلى عهدي بهم وتغيروا * « يا دار غيّرك البلى ومحاك » واشتغل بعد خروجه من المدرسة بالكتابة في