يوسف المرعشلي
177
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
مجلدا ضخما إلى كتاب النكاح ، ثم عدل عن التطويل فكتب كتابا مختصرا سماه « ممالك الدلالة على متن الرسالة » تمّ في مجلد ، وهو أيضا لم يصنف مثله . ثم رجع للقاهرة سنة 1349 ه ، وصحب أخويه شيخنا علامة العصر سيدي عبد اللّه والسيد الزمزمي للدراسة بالقاهرة ، وأثناء وجوده بالقاهرة هذه المرة كتب عدة من المصنفات التي تعرب عن تمكنه وبراعته بل واجتهاده في الحديث وانه لا يوجد له نظير . وتردد عليه علماء الأزهر للزيارة والاستفادة من علومه رغم صغر سنه ، وطلب جماعة منهم أن يقرأ معهم فتح الباري سردا ، ويشرح لهم مقدمة ابن الصلاح ففعل ، وجلس للإملاء بمسجد الحسين ومسجد الكخيا ، وأتى بسيرة الحفاظ النقاد ، وكان العلماء والطلاب يتعجبون من حفظه وفهمه ، واحتاج إليه مشايخه كالشيخ بخيت واللبان والخضر حسين وعبد المعطي السقا والسيد أحمد رافع الطهطاوي وعمر حمدان ويوسف الدجوي وغيرهم ، وأخباره مع مشايخه المذكورين سطّرها في « البحر العميق في مرويات ابن الصديق » . وفي سنة 1354 ه رجع إلى المغرب بسبب وفاة والده رحمه اللّه ، فاستلم الزاوية ، وقام بالخلافة عن والده ، واعتنى بتدريس كتب السنة المطهرة ، فدرس الكتب الستة عدة مرات مع عديد من كتب المصطلح ، وسمع عليه بعضا من كتب التخريج والأجزاء والمشيخات والمسلسلات ، وأملى مجالس حديثية بالجامع الكبير بطنجة ، فكان يملي أكثر من خمسين حديثا في المرة الواحدة بأسانيدها من حفظه بلا تلعثم ، حتى إذا فرغ منها رجع للأول فتكلم على سنده وغريبه وفقهه ، ثم الثاني ، وهكذا ، وإذا تكلم على رجال الحديث كأنهم نصب عينيه ، فله بهم خبرة تامة : جرحهم وتعديلهم وطبقاتهم . حثّ الناس على العمل بالسنة الشريفة ، وترك ما خالف الدليل ، ونبذ التقليد المخالف للسنة ، وله في ذلك مصنفات ، وقد أثرت دعوته للعمل بالسنة الشريفة على عديد من بلاد المغرب غير طنجة ، فتبعه غالب أهالي تطوان وسلا والقصر الكبير وغمارة . وكان يحارب السفور والمدارس العصرية والتشبه بالكفار ، وله في ذلك جزء سماه « الاستنفار لغزو التشبه بالكفار » . وكان لا يرى النظر في الجرائد ، ويبغض الوظائف الحكومية . ولم يكن صاحب الترجمة من الذين قصروا أنفسهم على العلم فقط ، بل حارب الاستعمار ، وسعى في إخراجه من المغرب ، وقام بثورتين ضد الكفار الأسبان ، الأولى سنة 1355 ه ، والثانية سنة 1369 ه ، وانتهت بالسجن عليه مدة ثلاث سنوات ونصف ، ثم حدّدت إقامته في طنجة بعد خروجه ، كما قام بالاحتجاج على فرنسا بسبب أعمالها في الدار البيضاء ، وتفصيل تاريخه السياسي تجده في « البحر العميق » . وبعد خروجه من المعتقل أحاطت به فتن الاستعمار ، ومحاولة إيذائه من الاستعمار تارة ، ومن الحزبيين تارة أخرى ، ففضّل أن يغادر المغرب ، فوصل القاهرة في ربيع النبوي سنة 1377 ه ، فاستقبل بكل إجلال واحترام ، واشتغل بالتصنيف ، ثم دخل الحجاز حاجّا ومعتمرا مرتين ، ودخل دمشق وحلب وحصل عليه فيهما إقبال عظيم مشهور ، واحتفل به العلماء وأكرموه كثيرا ، واستقبل عند دخوله هذه البلاد من بعد مائة كيلومتر ، واستجازه جميع العلماء ، ثم بعد زيارته للشام دخل السودان وحصل له الإقبال . وبعد رجوعه مرض مرضا شديدا ، وفي يوم الأحد غرة جمادى الثانية سنة 1380 ه انتقل إلى رحمة اللّه تعالى ودفن بالقاهرة بمقابر الخفير رحمه اللّه وأثابه رضاه . وقد عم الحزن عليه في المغرب عامة ، وفي طنجة خاصة ، ورثاه جماعة من العلماء منهم الطالب محمد بوخبزة التطواني قال فيها : ما زلت بدرا تضيء الكون مزدهرا * في اللحد نورك ينسيني سنا السرج كملت فضلا ونقص المرء مفترض * فكان في العمر مجلى النقص والعرج لو كنت تفدى فدتك النفس يا سند * الإسلام يا طيب الأنفاس والأرج