يوسف المرعشلي

137

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

إلى الالتحاق بكتاب القرية ، فحفظ القرآن الكريم ، وتعلم أحكام التجويد على يد معلم القرية الشيخ محمد أبي رفاعي . ثم بعد أن أتمّ دراسته الأولية ، سافر إلى الإسكندرية فالتحق بالمعهد الديني الأزهري ، وكانت دراسته في مسجد الشيخ ، وفي أثناء تعلمه يسّر اللّه له معرفة صناعة الساعات وأتقنها ، ولذا عرف بالساعاتي . وبعد أن أتم دراسته بالإسكندرية ، انتقل إلى بلدة المحمودية القريبة من الإسكندرية ، وسكن بها وتزوج جلس للعلم والتحصيل ، وكوّن مكتبة عامرة حوت العديد من النفائس ، واهتم بكتب السنة والاطلاع على نوادرها ، مع الملازمة التامة للذكر والأوراد والتخلق بخلق الرسول الكريم صلى اللّه عليه وسلّم ، وظهرت عليه علامات الصلاح والسمت الحسن . وفي سنة أربعين وألف وثلاثمائة ابتدأ في قراءة مسند الإمام أحمد بن حنبل ، وراود نفسه في ترتيبه على أبواب الفقه وذلك لصعوبة تناوله كما لا يخفى ، فكان يستعظم التبعة ، ولكن الرغبة كانت أعظم ، فاستخار وشاور ثم استعان باللّه تعالى وبدأ في هذا العمل الجليل المشكور المحمود ، وندعو اللّه تعالى أن يثيبه عنه ويجزيه عن المسلمين خيرا . فائدة : ترتيب المسند للإمام أحمد بن حنبل : المسند للإمام أحمد بن حنبل الشيباني من أكبر كتب السنة جمعا إن لم يكن أكبرها باستثناء مسند بقي بن مخلد ، وهو أحسن المسانيد من حيث نظافة أسانيده - إذا استثنينا مسند الحميدي - ، واعتنى به العلماء اعتناءا كبيرا ، ولكن صعب الاستفادة منه بسبب ترتيبه على المسانيد ، وفي هذا صعوبة لا تخفى على أرباب الصناعة مما جعل الحافظ الناقد شمس الدين الذهبي يقول : فلعل اللّه تبارك وتعالى أن يقيض لهذا الديوان السامي من يخدمه ويبوّب عليه ، ويتكلم على رجاله ، ويرتب هيئته ووضعه ، فإنه محتو على أكثر الحديث النبوي . ا ه . وقد اعتنى بترتيب المسند على معجم الصحابة ، ورتّب الرواة كترتيب الأطراف : الحافظ أبو بكر محمد بن عبد اللّه بن المحب الصامت ( ت 789 ه ) . واعتنى الحافظ أبو الفداء عماد الدين إسماعيل بن كثير الشافعي ( ت 774 ه ) بترتيب المسند ، والكتب الستة ، والمعجم الكبير للطبراني ، ومسند البزار ، ومسند أبي يعلى الموصلي ، مسند كل صحابي على أبواب الفقه المعروف بجامع المسانيد ، وقد يتكلم فيه على بعض الأحاديث ، طالعته فوجدته درة فاخرة حري بالاعتناء ، غاية في النفاسة ، فجزى مصنفه كل خير . ولعله أفرد مسندا خاصا بالخلفاء الراشدين الأربعة رضي اللّه عنهم ، فإنني لم أجد لهم مسندا ، وقال : في كل موضع لهم جمعته مع مسند الخلفاء الراشدين ، وكذا الأمر في مسند أبي هريرة رضي اللّه عنه فقال : أفردت له مسندا . وقد ذكر الحافظ السيوطي في ترجمة الحافظ بن كثير في « ذيل تذكرة الحفاظ » أنه - أي ابن كثير - رتّب « المسند » للإمام المحدّث أحمد على أبواب الفقه . واعتنى في القرن الرابع عشر العلامة المحدث الشيخ أحمد شاكر « بالمسند » ، وكذا العلّامة المترجم له ، رحمهما اللّه تعالى . أما الأول فإنه اعتنى بالكلام على الحديث من حيث إسناده فأجاد وأفاد ، على أوهام وقعت له فيه ، ليس هذا محلّ بسطها ، ورقّم الأحاديث ، ووضع له فهارس في نهاية كل جزء ، فجاء درّة ناصعة إلا أنه توفي قبل إتمامه « 1 » . والمترجم له رتّب « المسند » على أبواب الفقه ، مع حذف سنده ما خلا من رفع الحديث ، سماه : « الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد بن حنبل الشيباني » ، وعليه شرح لطيف سماه « بلوغ الأماني من أسرار الفتح الرباني » ذكر فيه سند الحديث الذي حذفه في الأصل ، ثم ذكر غريب الحديث ، ثم تكلّم على رجاله وتخريجه متبعا غير مجتهد ، وغالب اعتماده على المنذري والهيثمي ، يذكر كلامهما ويسكت ، وما يستفاد

--> ( 1 ) وقد حاول إتمامه الشيخ الحسيني عبد المجيد هاشم ، فأتى بجزئين ، ولكن عمله أقل من سابقه . وحاول أيضا إتمامه طلبة الدراسات العليا بالأزهر ، وكذا طلبة الدراسات العليا بجامعة أم القرى ، وبذل بعضهم جهدا مشكورا فيه .