محمد محفوظ
73
تراجم المؤلفين التونسيين
مضمار الأنظار ، وأتى بما يزري بالنّضار ، فكان يتلو الآية من حفظه ، ويأتي بجميع ما يمكن أن يقال في تفسيرها من حفظه ، ولا كتاب معه يظن سامعه أنه يؤلف حاشية على التفسير ، ويقول في الدرس ما كتبه ، جلوسه في الدرس بخشوع ووقار وسكينة ، لا يستعين في تقريره بإشارة يد . وكان شيخنا محمد بن الخوجة إذا رآه على ذلك يقول لنا هذا معنى راحة العلم لأن مسائل الدرس صارت في نظره كالضروري » . تولى رواية الحديث في جامع باب الجزيرة المعروف بجامع القنيطرة ونظارة مدرسة بير الحجار ، تولى قضاء المحلة « 1 » بإلزام من شيخه محمد بيرم الثالث الذي اقترح على الباي تولّيه مكاتبا له في ذلك ، وفي مدة ولايته أظهر صلابة في الحق لأنه يراه أعظم من كل عظيم ، قال ابن أبي الضياف : « رفعت إليه مظلمة من الكاهية صالح بن محمد في أمر سياسي فأقرّ لما يرى أنه غير مؤاخذ بإقراره فحكم عليه بردّ الحق أو السجن ، فبعث إليه الباي بالمحلة وهو يومئذ أبو عبد اللّه محمد باي كاتبه البارع الأديب صاحبنا أبا عبد اللّه الباجي المسعودي يلاطفه بما محصله بأن هذا الرجل - والحالة هذه - أمير جيش في خدمة وأنا لا أقدر على سجنه إلا بإذن خاص ، فقال له « أنا قلت ما لزمني ، وله النظر في سجنه وعدمه » . وهو جواب سديد لأن التنفيذ ليس بيد القاضي ، وليس له قوة الإجبار على التنفيذ للتمييز بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية ، وأنا ما زالت متعجبا من قول ابن أبي الضياف ممهّدا لهذه القضية « فسافر
--> ( 1 ) قضاء المحلة هو قضاء العسكر ، ولكنه في تونس منذ عصر الدولة المرادية محدود الصلاحية كقضاء العسكر في السلطنة العثمانية ، وقاضي المحلة يسافر مع باي الأمحال ( وليّ العهد ) في رحلتي الشتاء والصيف لاستخلاص الضرائب ، واستخدام القوة العسكرية مع القبائل الممتنعة من الأداء ، وكان لا يخلو من ظلم واعتداء على حريات الأشخاص ومكاسبهم ، والتلهّي بأنواع الملاهي كصيد الغزال في مناطق الجنوب الصحراوي حتى كاد ينقطع من هناك .