عبد الله محمد الحبشي
8
جامع الشروح والحواشي
الكتاب لسيبويه فانبرى له العلماء بالشروح والتفنيد . وهو بداية ما عرف عند العلماء بعد ذلك بالشرح العلمي المستقري . ولم يكن الفقهاء يدلون بدلوهم إلا بعد أن ترسخ هذا الفن عند النحاة وأهل اللغة فالنحاة هم السباقون ثم تطور على أيدي الفقهاء في العصور المتأخرة وغدا سمة على رجال هذا الفن ، ولسنا بصدد التوسع في دراسة علم الشروح وفنونه والدخول في حيثياته وتفاصيله إذ الفرض من عملنا هنا هو حصر أعيان الشروح وجمعها في هذا التأليفل ، ولعل من الدارسين في تاريخ الآداب العربية - وهم كثر - من يقوم بشرح مسائل هذا الفن ويجعله مادة لرسالة بحث يحصل بها على درجة علمية . وأصل الشروح عند أصحاب المذاهب الفقهية وانتشارها بعد ذلك هو أنه لما ظهرت متون مشهورة في الفقه متداولة عندهم كان لا بد من توضيح مستغلفاتها وتبيين مسائلها للطلبة . فظهرت بعد ذلك الكتب الكبيرة التي تشرح تلك المتون ، وقد كانت هذه الشروح على كثرتها صنعة المتأخرين حتى أصبحت هي التاليف السائد عندهم في مجال الفقه وما عدا ذلك فمسائل فردية بسيطة قد تفرد برسالة أو مؤلف صغير يكون سببه حادثة أو واقعة ألزمن الضرورة على التاليف فيها ، وأطبقت الشروح كل مجالات الثقافة في مصر والشام وخاصة في العصر المملوكي الذي وخد هذين القطرين في مملكة واحدة عظيمة تهابها الدنيا كلها . وليس كما يتوهم بعضهم أنها سمة من سمات التخلف والجمود . فالشروح إنما كانت وليدة عصر زاهر وحضارة ورمتي وإن كانت قد أصبحت هي الشغل الشاغل للعلماء في العصور المتأخرة فما ذاك إلا لأنه اكتملت المادة عندهم وكانت ضرورة التدريس والتعليم تحتم عليهم التوسع في هذا المجال ، فاقر صلوا فيه حتى أصبح العلم حكرا على هذا الجانب وجمدت العقول عن الإتيان بشيء غيره يثري الحياة الفكرية والعلمية . على أن الشروح لما كانت مادة التدريس وكان المدرس يقرر للطلبة من الشرح والكتاب فربما قضر المؤلف الأول في توضيح مسالة أو سها عن موضوع فرعي لم يتطرف إليه . فجاء ما عرف بعد ذلك بالحواشي التي هي شرح الشروح ، وكان المدرس يقوم بكتابتها وإعدادها قبل إلقائها على الطلبة . وربما قيد عنه بعض تلامذته النابعين بعض ما يلقيه المدرس شفهيا فيكتبها عنه ثم يصرضها على شيخه فيقره على ما انتهى إليه ، وربما هدب ما كتبه تلميذه فيضيف عليه أو ينقص . وقد اشتهرت هذه الحواشي حتى أصبحت شروحا تنافس أصولها الأولى وتلحق