المنجي بوسنينة
226
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
صغيرا وأشركه في الحكم كبيرا هي التي جعلت المدح يطفح بالصدق ويتحوّل في العديد من المواضع إلى ما يشبه الغزل . فتتوالى المعاني التي درجت العرب على تناولها في الغزل والنسيب مثل العتاب والهجر والصدّ والغيرة والتحرّق على لقاء الأحبّة . يقول مثلا [ من الكامل ] : إنّي أغار على مكاني أن أرى * فيه رجالا لا تسدّ مكانيا [ الديوان ، ص 304 ] إن مدار ديوان أبي فراس ومحصّل أمره تمجيد البطولة والفروسيّة والشّجاعة . وقصائده تشترك في ابتناء صورة للإنسان ممجّدا أبعد ما يكون عن الضّعف والوهن أو الخوف والفزع والرّعب . لكن رومياته التي نظمها في الأسر تعدل عن هذه الصورة المثال التي عليها جريان أغلب ديوان الشعر العربي القديم . فتطفح بالحديث عن الغربة وهشاشة الكائن وحنينه وهلعه من الموت غريب الدار . وفي هذا الباب تتنزّل روائعه التي جرت على الألسن . منها القصائد التي قالها الشاعر في مواساة أمّه ، فتفنّن في تصوير حالة الفقد التي عانتها . يقول [ من المنسرح ] : يا حسرة ما أكاد أحملها * آخرها مزعج وأوّلها عليلة بالشآم مفردة * بات بأيدي العدى معلّلها تمسك أحشاءها على حرق * تطفئها والهموم تشعلها إذا اطمأنّت وأين ؟ أو هدأت * عنّت لها ذكرة تقلقلها تسأل عنّا الرّكبان جاهدة * بأدمع ما تكاد تمهلها [ الديوان ، ص 241 ] ومنها رثاؤه لأمه حين بلغه خبر موتها وهو أسير . ومثلما وسّع أبو فراس من دائرة المدح ففتحه على الفخر ، حوّل الرثاء عن مقاديره وفتحه على فكرة رثاء الميت والحي . فهو يرثي أمّه الميتة ويرثي حاله في الأسر [ الديوان ، ص 162 ] . يقول [ من الوافر ] : أيا أمّ الأسير سقاك غيث * بكره منك ما لقي الأسير أيا أمّ الأسير سقاك غيث * تحيّر لا يقيم ولا يسير أيا أمّ الأسير سقاك غيث * إلى من بالفدا يأتي البشير أيا أمّ الأسير لمن تربّى * وقد متّ الذوائب والشعور [ الديوان ، ص 163 ] ومنها أيضا القصائد التي نظمها الشاعر ليستحثّ سيف الدولة على افتدائه . وهو يعمد فيها إلى تصوير حاله في السجن ، فيتحدّث عن الأصفاد وعن الأبواب المغلقة . يقول [ من الطويل ] : أقلّب طرفي بين خلّ مكبّل * وبين صفيّ بالحديد مصفّد