المنجي بوسنينة
219
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
التحق بجامعة ريدنج بإنجلترّا ، وعمل مع الأستاذ أوستين ميللر ، وهو من كبار علماء الجغرافيا والأنثر وبولوجيا الإنجليز المتبحّرين في دراسات الشرق الأوسط ، وأنهى تحت إشرافه درجة الماجستير والدكتوراه ، وعاد إلى عمله بكلّية الآداب ، جامعة القاهرة ، فظلّ في العمل بها حتّى استقالته منها في عام 1963 للتفرّغ للبحث والكتابة . وجمال حمدان هو مؤسّس مدرسة متميّزة داخل الثقافة العربية المعاصرة في الفكر الاستراتيجي ، قامت على نهج شامل ، معلوماتي وتجريبي وتاريخي من ناحية ، وعلى دمج مكتشفات علوم الجغرافيا والتاريخ والسكّان والاقتصاد والسياسة والبيئة والتخطيط والاجتماع السكاني والثقافي بشكل خاص ، والاستراتيجية من ناحية أخرى ، ورغم التوجّه العملي والتطبيقي لكلّ أعماله فإنّ التأسيس النظري لأكثر هذه الأعمال أهمّية ، وخاصّة ملحمته الكبرى : « شخصيّة مصر ، دراسة في عبقرية المكان » ، وكتاب « العالم الإسلامي المعاصر » ، الذي يعدّ إضافة مهمّة وبنائيّة لكلّ من فلسفة التاريخ العربية المعاصرة ، وللعلوم الاجتماعية العربية . وقد أصدر جمال حمدان أثناء عمله كأستاذ مساعد للجغرافيا في كليته كتبه الثلاثة الأولى : « جغرافية المدن » ، و « دراسات عن العالم العربي » ، و « أنماط من البيئات » ، وقد نال جائزة الدولة التشجيعيّة عام 1959 م . وأكسبته هذه الكتب الجائزة ، ولفتت إليه الأنظار بالإعجاب في الأوساط الثقافية في مصر والعالم العربي . والتزم جمال حمدان بنظام صارم للعمل . وحدّد مجالات نشاطه الاجتماعي وعلاقاته الشخصيّة ، فأنتج كمّا هائلا ومتنوّعا من الأعمال العلميّة . وتفرّغ جمال حمدان إثر ذلك لإنجاز صياغته النهائية لكتاب « شخصية مصر ، دراسة في عبقرية المكان » ، الذي استغرق منه عشر سنوات ، وصدر في أربعة آلاف صفحة من القطع الكبير ضمن أربعة مجلّدات . ولعلّ الإضافة العلمية والفكرية الرئيسيّة لجمال حمدان ، هي توحيده المنهجي المبكّر لكلّ العلوم الاجتماعية الكبرى تقريبا ، وتجاوزه ما كان قد حقّقه علماء الجغرافيا الذين سبقوه ، مستفيدا من التراث الفكري المصري القديم والحديث ، فجمع بين الأصالة والحداثة ، بلغة عربية فريدة . وكانت لجمال حمدان نظراته المستقبليّة التي أسّسها على العقل الذي لا يحوّل النسبيّ إلى مطلق ، بل كان يقول بنسبيّة الموجودات كلّها ، وبنسبيّة المواقف الإنسانية ، وبنسبيّة النظريّات . ومن هذا المنطلق كان تحليله للأمور يتّسم بالواقعيّة التي لا تشوبها الأحكام أو الأقوال المبتسرة الغامضة التي يتأولّها كما كان الناس يتأوّلون أقوال الكهنة . ولم يكن ينساق وراء الأيدلوجيات وعبادتها ، فقد كانت مغامرة الكتابة لديه مغامرة حضارية ضخمة تقوم على العلم الذي يربط بين الواقع والحقائق باتّساق واطّراد وشمول ، وهي صفات لا يبلغها العالم إلّا عند تمام إدراكه . وفي عام 1985 م حصل جمال حمدان على جائزة الدولة التقديرية للعلوم الاجتماعية . وفي العام التالي حصل على جائزة التقدّم العلمي من الكويت .