المنجي بوسنينة

177

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

أ - الطرديّات : أتيح للشاعر أن يمارس الصيد ويشاهد الطيور على أنواعها . . فكانت له قصائد ومقطعات في طيور الكراكي والصقر والباز والفهد ، وتوقف مليا عند الصيد بالبندق وتأمل قسيّه التي تقذف البندق . . وتوقف عند الصيد بالكلاب ، فوصف أحدها بكثير من الدقة والإحاطة والأداء الفنّي الجميل ، من مثل قوله : مختصر الشّلو ، ثقيل المحمل * منفسح الهامة نأتي المقل منهضم الخصر ، عريض الكفل * ذي أيطل خال ، ومتن ممتلي ذي ذنب سبط ، قصير أفتل * أسلس من دفّته كالمغزل [ ديوانه ، ص 283 ] ب - الطبيعة : لم يفرد الشاعر بابا خاصا لها ، بل جعلها مقدمات لعدد كبير من القصائد الغزلية والمدحية ، فوصف الفجر الطالع ، والظلال ، والسحب ، والزهور ، والحدائق ، والليل ، والرياح ، والبرك ، والأنهر ، في مشاهد متلاحقة ومتداخلة ، تنم على قدرة فائقة على اختلاس الصور ورسم الأبعاد التي تتناهى عند الذائقة الشعرية ، كقوله في وصف واد : لله وادي الغرس حين حللته * زمنا كأنّ العيش فيه منام ( . . . ) فالشمس فيه مدى النهار فطيمة * والظلّ كهل ، والنسيم غلام [ ديوانه ، ص 281 ] وأختم الكلام على الوصف بما قاله ضياء الريّس في مقالة له عن صفي الدين في أحد أعداد مجلة « الرسالة » القاهرية : « كان لصفيّ الدين ميزتان عظيمتان في وصفه : إحداهما دقة النظر وصدق المشاهدة ، والأخرى قوة الابتكار والتخيل . فقد كان يدرك بالأولى جزئيات الأمور ونواحي المناظر التي تخفى على غير الموهوب ، ثم يتولى خياله ما أدركه ، فيحكم نسجه ويضفي عليه ألوانه ، ويزيد فوقه نقوشه » . [ العدد 29 ، السنة 1934 ، ص 146 ] أن تزن شاعرا كبيرا من شعراء مرحلة تبعد عنا قرابة سبعة قرون ، أمر في غاية الصعوبة ، أقلّه اختلاف المقاييس بين زماننا وتلك المرحلة ؛ فأيّ كلام يقال اليوم لا بد من أن يرتطم بجدار من المفاهيم والآراء المضطربة غير الموضوعية . كلّ ما يسعنا فعله : محاولة التقريب بين أحكام قديمة ونظرات وآراء حديثة ؛ فقد غلب على الأحكام القديمة في الشاعر التقدير الكبير والتمايز الفائق ، فنرى الفيروزآبادي يصفه بموسوعة عصره في « علوم العربية والشعر وأن غزله أرقّ من شجر النسيم وأروق من المحيا الوسيم » ونرى نور الله الششتري ( ت 1610 م ) يصفه بالشاعر الساحر ، في شعراء زمانه فإذا هو بينهم بلا « قرين » . ومثله قال صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة 764 ه / 1362 م حيث جعله « الإمام العلّامة البليغ المفوّه ، الناظم الناثر ، شاعر عصره على الإطلاق » وقل مثل ذلك لدى عدد آخر من دارسي زمانه . . أما في زماننا فقد جعله أديب السنديانة مارون عبود واحدا من كبار شعراء عصره ، إلّا أنه - أي عبود -