المنجي بوسنينة
178
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
جعله من الرؤوس الصغيرة بين شعراء العربية ؛ وقد حاولت أن أزنه أنا زنة تجمع بين رأي القدماء ومفاهيم العصر الحديث ، فوجدت أن « صفي الدين الحلّي » قد أوتي إحساسا غريبا بمقامه المميز عن أقرانه ودوافع خفية جعلته ينساق كالملهوف ، وراء قوالب تعبيرية خارقة الغرابة ، بعد أن فاته الحشا الفكري الخام ، وقد استهلك في زمن العباسيين الأول ، وقضى الاقتتال الدموي الجارف والاحتلال التتري المبيد على النتف المبعثرة هنا وهناك . فكان لزاما عليه الجري وراء ما تبعثر ولمّه مع كوم الهزال والحشرجة ، وصوغ ما ارتعشت به مخيلته ودفعه إلى موائد الأدب ومتصيديه . وإنّ محاولة الخروج بالصفيّ من حظيرة التقليد والاستماتة في سبيل الإبداع ، إلى حظيرة الخلق والتصوير الموحي ، شيء غاية في الصعوبة ، ومحاولة يائسة ، لأن الحلبة التي ارتاض فيها الحلّي ، لم تكن حلبة أبطال ، وإنّما أشبال تاهت عنها لبوءاتها ، فضاع المعين ، وزاغ البصر بين ظمأ اللحاق بالليوث ، وعجز الوثوب المتقن الجبّار » [ كتابنا ، صفي الدين الحلي ، ص 362 - 363 ] . وقد تحصّل لي هذا الرأي بعد الاطلاع الوافي والدراسة الشاملة لشعر صفي الدين في جميع أغراضه وفنونه ووجوه نتاجه الشعري والنثري الذي كانت تشوبه كلفة التقليد والنسج على منوال الأقدمين ، على جرأة غريبة في ابتكار أساليب وأنماط بالغة الغرابة ، في النظم والنثر ، الأمر الذي جعله يقف شامخا بين شعراء عصره وكتّابه ، لكنه ليس كذلك في السلّم الأدبي العام في تاريخ الأدب العربي وعصوره الممتدة عشرات القرون . آثاره أ - آثاره الشعرية : 1 - ديوانه الشعري ، وهو أكبر مؤلفاته وأوسعها على الإطلاق ، طبع أربع مرات ، الأولى ، في دمشق سنة 1879 م ، والثانية ، في بيروت سنة 1892 م ، والثالثة في النجف الأشرف سنة 1956 م ، أما الطبعة الرابعة فكانت في بيروت سنة 1962 م . ويبلغ عدد صفحات هذه الطبعة الأخيرة 782 صفحة من الحجم الكبير ، وعليها اعتمدت هذه الدراسة . وقلما تختلف هذه الطبعات فيما بينها من حيث النص الشعري والموضوعات . جلّ ما في الأمر أن طبعة بيروت الأخيرة جمعت الكثير من مؤلفاته الشعرية ، بينما أهملت القسم الأكبر من نتاجه النثري ، الذي أبقت عليه طبعة دمشق وطبعة النجف . وانفردت طبعة النجف وحدها بطبع فصل « الإحماض » الذي تحاشته الطبعات الثلاث الأخرى حرصا على سلامة الذوق والخلق ؛ 2 - درر النحور في مدائح الملك المنصور ، وهي قصائده المعروفة « بالأرتقيّات » التي مدح بها الملك الأرتقي المنصور نجم الدين غازي . وهي عبارة عن تسع وعشرين قصيدة ، كل واحدة منها على حرف من حروف المعجم ، تبدأ به كل أبيات القصيدة وتنتهي به ، وعدد أبيات كل قصيدة تسعة وعشرون بيتا . . ؛ 3 - الكافية البديعية في المدائح النبوية ، قصيدة طويلة تعدادها مائة وخمسة وأربعون بيتا ، كلها في مدح النبي ، وغرضها ، بالإضافة إلى المدح النبوي ، حشد أكبر أنواع البديع وضروبه حيث ضمنها مائة وخمسين لونا من ألوان البديع ومطلعها :