المنجي بوسنينة

173

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

الأرتقيان ، والناصر محمد بن قلاوون ، والملكان الأيوبيان : المؤيد والأفضل . وأما الأصدقاء فكانوا من الكتّاب والشعراء والأقرباء ممّن جمعته بهم الظروف الاجتماعية ، ومن قضاة وولاة وأمراء أعانوه على تذليل كثير من معوقات الحياة . أما مدائحه في بني أرتق فقد جمعت كلّ ما أنبتته القرائح في الأدب العربي من أوصاف الخلق الحميد ، ففيها كرم حاتم ، ووفاء السموأل ، وحكمة لقمان ، وشجاعة خالد . وهكذا حتى تطوف على ذرى الفضائل الإنسانية ، نموذجه في ذلك مديحه للمنصور الأرتقي الذي أغدق عليه في قصيدته الأولى له جملة أوصاف ومعان أجاد بها كما لو كان يقولها في نفسه . ومن النادر أن يكتفي الشاعر بموصوفات وصور عقلانية محتملة ، بل غالبا ما يتجاوز فيها حدود المعقول إلى اللامعقول ، تطبيقا لصبغة المدح الشعري السائدة في عصره ، كما نرى في مدح الملك المنصور الأرتقي الذي جعله الشاعر معبودا تسجد الملوك في أعتابه ، وتخدم الأقدار في ركابه : يخضع هام الدهر فوق بابه * وتسجد الملوك في أعتابه وتخدم الأقدار في ركابه * تروم فضل العزّ من جنابه وتستمدّ اليسر بعد العسر [ ديوانه ، ص 115 ] ولئن تجاوز حدود المبالغة التصويرية ، من دائرة الإبداع الفني ، إلى دائرة الكفر الأدبي ، فإنّ له صولات في المضمار الأول لا أراه مسبوقا بها ، كقوله وهو يمدح الملك الأرتقي المنصور غازي ، من قصائده التسع والعشرين التي أنشأها له : جللت حتى لو أنّ الصبح لحت به * وقلت : قف ، لا تلج في الليل ، لم يلج [ ديوانه ، ص 714 ] ومثله ، من قصيدة ثانية : رفقت بالناس في كل الأمور ، فقد * أضحى الزمان إليهم شاخص البصر يتمتع الحلّي بقريحة مطواعة عجيبة ، وبثقافة لغوية وبلاغية لا حدود لها . يتلاعب بالقريض والقوافي والتراكيب والتخيل كما يشاء ، فينشئ قصائد طوالا تتجاوز المئات من الأبيات ، وأخرى قصارا وربما مقطّعات من اثنين إلى ثلاثة وأربعة ، وهكذا ، وفقا لتدفق سيل الكلام والمدّ الشعوري المؤرق . ونمثل لذلك قصيدته البائيّة التي مدح بها الملك الصالح الأرتقي ، بالغا فيها مستوى شعريا عاليا من حيث وضوح الأفكار ، واقتضاب المعنى ، وخفّة الجمل وقصرها ، إلى ندرة الخيال ولطائفه : قالوا : هو البدر ، قلت : البدر ممحّق * قالوا : هو الشمس ، قلت : الشمس تحتجب قالوا : هو الغيث ، قلت : الغيث منتظر * قالوا : هو الليث ، قلت : الليث يغتصب قالوا : هو السّيل ، قلت : السيل منقطع * قالوا : هو البحر ، قلت : البحر مضطرب