المنجي بوسنينة

174

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

قالوا : هو الظلّ ، قلت : الظلّ منتقل * قالوا : هو الدهر ، قلت : الدهر منقلب قالوا : هو الطود ، قلت : الطود ذو خرس * قالوا : هو الموت ، قلت : الموت يجتنب قالوا : هو السيف ، قلت : السيف نندبه * وذاك من نفسه بالجود ينتدب قالوا : فما منهم يحكيه ؛ قلت لهم : * كلّ حكاه ، ولكن فاته الشّنب [ ديوانه ، ص 198 ] المعروف أن التكرار مملّ ، وثقيل في الأداء اللغوي ، لكنه هنا اكتسب حرارة التعبير وجمال التنويع في وحدة المدح والإعجاب ، لأنه لم يقصد لذاته ، بل لتعزيز المعاني وإغنائها مع حسن الديباجة ورقة القوافي . وإذا انتقلنا إلى الشطر الآخر من مدائحه ، عنيت المدح النبوي ، فسنجد أن الشاعر اتبع سنّة الشعراء القدامى في عرض مشاعره التمجيدية وسرد معجزات النبي صلّى اللّه عليه وسلم وما رافق ذلك من نزول القرآن وجهاد طويل ، وإسراء ومعراج . . وهو ما سبقه إليه شرف الدين البوصيري ( ت 696 ه ) والشعراء الصوفيون بعامة . . ومع ذلك فقد أضاف إلى قصائد المدح أساليب جديدة ، وتطرّق إلى معان وتصورات غاية في الجودة والابتكار ، نحيل من يرغب إلى كتابنا [ صفي الدين الحلي ، ص 219 - 228 ] وفيها : نمط المدح النبوي ، ومظاهره ، وقصائده ، وخصائصه وإبداعاته . . ينقسم غزل صفي الدين إلى قسمين : قسم استقل في باب خاص استغرق مائة صفحة من الديوان وقسم منتشر في معظم الأبواب وبخاصة أبواب المدح والرثاء والخمريات . كان الشاعر مرهف الحسّ ، موتور العاطفة ، سريع الانفعال أمام الوجه الجميل المشرق ، ومفاتن الغواني التركية ونساء الأمصار اللواتي التقاهن في مجالس اللهو وسهرات الأنس والرحلات . . ولم يعرف عنه ما إذا عاش قصة حبّ بعينها ، كما هي حال عدد كبير من الشعراء الذين ذاعت أخبارهم مع محبوباتهم ؛ مع أنّ من يقرأ بعض قصائده تبهره الأوصاف الغزلية ومعالم العشق المضطرم في الأعماق . وحصيلة ما رشح لي من سيرته وقصائده أن الحلّي لم تكن له حبيبة معروفة ؛ وأغلب الظن أنه لم يعشق امرأة بعينها تملك عليه شعاب قلبه ، لأنه لو فعل ذلك ، لما تنوعت أغزاله بين مؤنث ومذكر ، ولما طغى عليها القالب الشعري الجامد الجاف في كثير من الأحيان . . جلّ ما في هذه القصائد لفظ رقيق ، وصور مأنوسة يسودها التكلف في الغالب ، وأحاسيس لا يمكنك رفضها . وتبيّن لنا أن غزله ينصب في كثير من القصائد ، على الجمال الخارجي ؛ فتغزّل بالقد والخد ، والشّعر والخصر ، والعيون والشفاه . . وتغزل بالريق والعطر ، واللثغ والدلع في النطق ، والتثني والنعاس في الألحاظ ، قلما خرج عنها إلى أبعاد إنسانية أخصب وأعمق . ومن اللافت أنّ أكثر غزل الصفيّ جاء بلغة المذكر وضميره ، وأن أجود غزله هو الغزل المذكر ، والغزل الغلماني الذي يملأ صفحات القصائد الغزلية . ومن ذلك قوله في وصف أحد المجالس من قصيدة بعنوان : « مجلس أنيق »