المنجي بوسنينة
172
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
أصدقائه وأولياء أموره . وهو في غالب الأحيان راض قنوع بما يسبّبونه له ، وتكاد لا تفارقه هذه الرقّة في معاتباته الأخوان . . كقوله : وكم قد هفوت بهجر الكلام * فأعرضت عن سمعه مسمعي فكنت كأنك ما قلته * وكنت كأني لم أسمع [ ديوانه ، ص 572 ] وهجر الكلام : النابي الجارح من القول شعور واضح بجفوة بينه وبين المرأة ، متجها بنتيجتها نحو أبناء جنسه الذكور يبثهم أشواقه وصبواته . ولعل هذه الجفوة هي التي جعلت من غزله ومجونه ، يستوعب الناحية الذكرية أكثر بكثير من الناحية الأنثوية . وربما كان سبب هذا الجفاء ، بشاعة في الرجل على حد قول الفيروزبادي ( مجد الدين ) الذي لقيه في بغداد سنة 747 ه وهو زريّ الهيئة والحال ، قبيح . . « وسخ العمامة ، ووجهه أقبح ما يكون ومن رأى صورته لا يظن أنه ينظم ذلك الشعر الذي هو كالدرر في الأصداف » [ نزهة الجليس 200 - 201 ] وهذا ما يسمح باحتمال بشاعة هيئته وهو في شبابه . تضمّن ديوانه الشعري الكبير المنشور في بيروت اثني عشر بابا أو غرضا شعريا ، هي على التوالي : الفخر والحماسة - المدح والثناء - الوصف والطرديات - الإخوانيات - المراثي - الخمريات - الشكوى والعتاب - الاستهداء والاستعطاف - العويص والمعقّد من النظم - الملح والأهاجي - الغزل - الآداب والزهديات . وسأتوقف عند أربعة من هذه الأغراض ، هي : المديح ، والغزل ، والفخر ، والوصف ؛ ملمّا بالأغراض الأخرى إلماما سريعا ، لضيق المجال المسموح به في هذه المداخلة ، محيلا من يرغب إلى كتابي : « صفي الدين الحلّي » الصادر عن دار الكتاب اللبناني سنة 1971 ، وفيه دراسة تفصيلية لجميع أبواب الديوان ، إلى دراسات أخرى وموضوعات مختلفة تتعلق بالشاعر وعصره وثقافته وفنونه الشعرية وأنواع كتاباته وخصائصها وفصول أخرى كثيرة . على الرغم من أن الشاعر قد قطع على نفسه عهدا « بألّا يمدح كريما وإن جلّ ، إلّا لما أعدّه زادا للمال في مديح النبي والآل » [ مقدمة ديوانه ] ، فقد تضمّن ديوانه من شعر المدح ( الثناء والشكر والهناء ) مائة وسبعين صفحة ، أي ما بين ربع الديوان وخمسه ، وهو أكبر حيّز اشتمل عليه شعره بين سائر أغراضه الفنية . « والحق أن مدائحه الكبرى لم تخرج عن هذا الخط إلّا ما كان للشكر أو رد الجميل ، أو التقدير . المهم أن صفي الدين لم يمدح في سبيل التكسب أو التقرب والزلفى ، أو محاذرة لمخاطر ودسائس ، وأن ممدوحيه كانوا في الغالب ، من علية القوم ، وخاصة الذين ربطتهم به روابط مكرمات وفضائل وقيم فكرية وروحية واجتماعية » [ كتابنا ، صفي الدين الحلي ، ص 205 ] . ويمكن تصنيف ممدوحيه إلى ثلاثة : الملوك ، والأصدقاء ، والنبي صلّى اللّه عليه وسلم وآله . أما الملوك فهم : المنصور والصالح